حوار شؤون خليجية مع د.محمد السعيدي..الجزء الثاني

تكبير الخط تصغير الخط

حوار شؤون خليجية  مع د.محمد السعيدي الجزء الثاني 

http://alkhaleejaffairs.org/c-16556

 الجزء الثاني من الحوار..المفكر السعودي السعيدي لـ(شؤون خليجية): (داعش) صناعة استخبارات عالمية وليست (نبتة سلفية)

* ظلم الحكام المسلمين جعل للدعوات الثورية التكفيرية جانبًا من المصداقية

* تمت مواجهة نجاحات الثورة السورية في عاميها الأولين بخلق تنظيمات متطرفة

* الغلو في الدين يعبر عن خلل في فهمه.. وهو في كل زمان ومكان وليس قاصرًا على الإسلام

* طالبان في الأصل لم تكن جماعة عنف بل كانت تناضل من أجل وحدة بلادها أفغانستان

* ليس صحيحًا أن (داعش) نبتة سلفية.. ومن يقول ذلك كمن يقول إن الخوارج نبتة راشدية

* السعودية لم تغيير مواقفها في عهد الملك سلمان.. لكن ما يجرى تغير في التكتيك يراه الأنسب

خاص ــ شؤون خليجية

حوار: يسري المصري

بالتزامن مع تحرير الثوار السوريين لـ “مدينة إدلب” أحد أكبر المدن السورية، والتي كانت قابعة تحت حكم بشار الأسد وجنوده، واعتبار ذلك أبرز مكاسب الثوار السوريين منذ عدة أشهر، أكد الدكتور محمد السعيدي- الداعية وأستاذ أصول الفقه بجامعة أم القرى بالسعودية– أن الثورة السورية كانت لتحقق أهدافًا أكبر وأوسع على مدار السنوات الماضية، لولا وجود عدة عوامل ساهمت في تأخيرها وإعاقة المعارضة المعتدلة فيها، من بين تلك العوامل ظهور ما يعرف بتنظيم الدولة الإسلامية (داعش).

وبحسب تصريحات الدكتور السعيدي في الجزء الثاني من حواره الخاص مع (شؤون خليجية)، فإن تحطيم الثورة السورية بأيدي المسلمين أنفسهم، وإضعاف السنة العرب في العراق والمتَّسِمِين بالاعتدال والحكمة، وتسليم المنطقة بالكامل للإشراف العسكري الدولي، كان ولا يزال أحد أبرز الأسباب التي تكون من أجلها تنظيم الدولة الإسلامية “داعش”، على أيدي أجهزة استخبارتية عالمية.

الدكتور السعيدي تحدث كذلك خلال الجزء الثاني من حواره مع موقع (شؤون خليجية)، عن كيفية ظهور تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) وأسباب ذلك، ومن يقف وراءها، وما هي الأهداف الحقيقية التي سعت إليها أجهزة استخباراتية عالمية من تكوين التنظيم، وكيف استطاعت السعودية الفصل بين محاربة الإرهاب واحترام التدين، وغيرها من النقاط الهامة نعرضها في هذا الحوار الآتي:

“داعش”.. ومن يقف وراءها؟

** بداية لماذا تنظيم الدولة “داعش” الآن.. وما سر ظهوره؟
* يبدو لي أنه منذ عقدين من الزمان، وهناك دوائر استخباراتية قد اكتشفت أن التطرف الديني يمكنه أن يُقدم لها خدمات كبيرة بشكل أكبر من أي جهة أخرى تخضع لعمالتها المباشرة، وقد بدأت هذه الفكرة تُنَفَّذ عملياً في تغذية التطرف النصراني الآرثوذكسي واستخدامه لقتل المشروع الإسلامي في يوغسلافيا بعد تفككها، فقد تم استخدام هذا التطرف لإجبار المسلمين على الاستسلام للأمر المفروض عليهم، عبر حملة تطهير عرقي ذكرتنا بما كتبه المؤرخون عن جرائم المغول في بغداد وجرائم الصليبيين في بيت المقدس.
والحق أن ذلك التطرف النصراني نجح في تحقيق ما كانت دول أوربا تطمح إليه من منع تكوين دولة إسلامية في أوربا، فبالرغم من أن المذابح أقيمت في البوسنة، إلا أن المشروع الإسلامي تم القضاء عليه بسبب تلك المذابح في: كوسوفا ومقدونيا والجبل الأسود وألبانيا وصربيا وكرواتيا والمجر ورومانيا وبلغاريا، حيث تعيش في تلك البقاع نسب متفاوتة من المسلمين كان تقاربها يشكل على المدى البعيد خطرًا- فيما يزعمون- على الحضارة الأوربية اللادينية.

هذا النجاح الذي حققه التطرف الديني النصراني شجع الدوائر المخابراتية، التي تستفيد عادة من خبرات بعضها على استخدام التطرف لدى المسلمين لتنفيذ مشاريع تتعلق بمستقبل الإسلام مع الغرب ، ومن هنا بدأ استخدام تنظيم القاعدة لتهيئة الرأي العام الغربي والأمريكي، خاصة للعداء مع العالم الإسلامي، فجاءت عدة أحداث من تنظيم القاعدة- قبل أن يطلق عليه هذا الاسم- غير مبررة تم استغلالها جيداً لتعبئة الرأي العام الأمريكي ضد المسلمين، حتى جاء الوقت المناسب لإطلاق ما عُرِف بأحداث١١/ ٩، والتي ثبت بعد سنوات أن القاعدة لم تكن فيها سوى آلة لاغير.
في هذا السياق، وفي ظل المشروع الأمري إيراني في العراق، تم تكوين إمارة العراق الإسلامية، والتي تكونت من متطرفين مسلمين تديرهم من حيث لا يشعرون أجهزة مخابرات مشتركة، وتم بواسطتهم القضاء على المقاومة السنية ضد الوجود الأمريكي عبر ما كان يسمى دولة العراق الإسلامية، والذي انتهى بتسليم العراق كاملاً للطائفة الشيعية الموالية لإيران، واختفاء ما يسمى بدولة العراق الإسلامية فجأة، وكان بعض السنة قد اضطروا للتحالف مع أمريكا ضد دولة العراق، الذي رحبت به أمريكا للتخلص من هؤلاء بعد أن انتهى دورهم، والذي عُرف إعلاميًا بالصحوات.

وبعد النجاح الكبير الذي حققته الثورة السورية بدعم “سعودي – تركي” في العامين الأولين، تمت مساعدة جبهة النصرة والفصائل المنتمية فكرياً للقاعدة على الظهور، وذلك لتحقيق عدة مكاسب، منها: تخويف السعودية وتركيا من مواصلة دعمهم للثوار السوريين، بحجة أنه في ظل الفوضى لايمكن الجزم بأن أي دعم يصل للثوار لن يتسرب للتنظيمات القاعدية.

التبرعات للتنظيمات القاعدية

ومن المكاسب أيضًا: توجه بعض الرموز الدعوية في الخليج لجمع التبرعات وتوجيهها نحو التنظيمات القاعدية، بدعوى أنها أكثر إخلاصاً، لكونها لا تتلقى الدعم من الحكومات العميلة حسب زعمهم، وفعلاً تم ذلك واشتغل عدد من الدعاة في الخليج بجمع التبرعات وصرفها فقط على التنظيمات القاعدية، ولم يتوقف الأمر عند ذلك، بل قام بعض هؤلاء الدعاة بتشويه سمعة كل من يدعم فصائل الجيش الحر أو التنظيمات الإسلامية التي لا تنتمي للفكر المتطرف، وللأسف وجدت هذه الترهات آذاناً صاغية.
ومن المكاسب أيضًا: ضرب الثوار السوريين بفصائل تنظيم القاعدة وإشغالهم عن حرب النظام، وفعلاً بدأت جبهة النصرة بالاستيلاء على المناطق التي حررها الثوار من النظام.
وفي هذه الأثناء جاءت فكرة الاستخبارات المزدوجة، إعادة مشروع دولة العراق الإسلامية بلباس يتناسب مع الوضع الجديد في سوريا، فتم إنشاء ما يسمى دولة العراق والشام، التي أطلق عليها إعلامياً داعش، والتي يطول التفصيل فيها.

6 أهداف لتنظيم الدولة الإسلامية

** لكن برأيك ما المكاسب العملية التي سعت إليها تلك الدوائر المخابراتية من تحقيقها جراء ظهور داعش؟
* مشروع “داعش” يراد منه عالميًا، أو قل يراد منه أمريكياً وصهيونيًا وإيرانياً، عدة مهام نستطيع أن نجملها في 6 نقاط:
١- تحطيم الثورة السورية بأيدي المسلمين أنفسهم.
٢- إضعاف السنة العرب في العراق والمتَّسِمِين بالاعتدال والحكمة.
٣- توظيف الشيعة العرب في العراق في خدمة المشروع الإيراني.
٤- تسليم المنطقة بالكامل للإشراف العسكري الدولي، وهو ما تم عبر تحالف الدول باسم القضاء على (داعش).
٥- فتح العراق بالكامل أمام الحرس الثوري الإيراني تحت ذريعة قتال داعش، وتمكينه من القيام بعمليات إبادة للسنة، وهذا ما يحدث الآن في المدن العراقية السنية التي تشهد قتالاً بين داعش والجيش العراقي- كما يزعمون- أو كتائب قاسم سليماني على الحقيقة، وما يحدث في تكريت وقت هذا الحوار مثال واضح لما ذكرته، فالقوات العراقية والشعبية بقيادة وتنسيق قاسم سليماني، تتقدم فيما يزعمون لتحرير تكريت من داعش، وللأسف سوف تفعل داعش الشيء نفسه الذي فعلته في عين العرب، تجعل من البلدة ساحة حرب ثم تنهزم لتترك أهل البلدة وشأن هذه القوات بهم.
٦- إطالة أمد الفوضى في الشام والعراق والسعي لمدها نحو السعودية ودول الخليج، كما هو البرنامج المعلن لداعش.

المخابرات العالمية

** إذن برأيك كيف يمكن تفسير أن المخابرات العالمية تنشئ داعش وهي التي تقوم اليوم بضربها؟
* الضرب العالمي لداعش يتحقق منه للدول المهيمنة على العالم عدة مصالح، منها:
١- ضمان عدم اتساع داعش فوق ما هو مخطط لها، وضمان عدم استقرار الأمر لها بحال من الأحوال.
٢- ابتزاز الدول الخليجية التي تهددها داعش كتركيا والسعودية وباقي دول الخليج، ليس مادياً وحسب، بل وسياسياً أيضًا.
٣- استقطاب الشباب المسلم الذي يشكل وجوده خطراً مستقبلياً على الصهاينة، للانضمام لداعش، ومن تَم قتله هناك.

بين داعش وطالبان والقاعدة

** هل ترى أن هناك فرقًا بين طالبان وداعش والقاعدة؟ وما هو هذا الفرق؟ وهل سنفاجأ بظهور جماعات عنف حديدة؟

* طالبان في الأصل ليست جماعة عنف، بل هي جماعة مناضلة من أجل وحدة بلادها أفغانستان، وكانت تحظى باعتراف سعودي، لكن ضعف الرؤية السياسية لدى قيادة هذه الجماعة أدى إلى عدم اتخاذها موقفاً صحيحاً من أحداث ١١/ ٩.

الأمر الذي كان سبباً فيما حصل لها من بعد، وهي حتى الآن في منأى عن العنف خارج إطار مقاومة المحتل، لكنها حتى الآن أيضا لم تُظهِر موقفاً واضحاً كما ينبغي من القاعدة.

أما القاعدة وداعش فبعضهما من بعض ولا خلاف بينهما في الأصول التي تدعو للعنف وتزكيه وتشرع له، وما يبدو الآن في سوريا بينهما من تناحر هو خلاف على المكاسب فقط، وإن كان يأخذ تصويراً شرعياً.

ومن الطبيعي أن نفاجأ بظهور جماعات جديدة فحدية الطرح تجعل التشظي مسألة محتملة دائمًا.

السعودية بين الإرهاب والتدين

** لو انتقلنا للملكة العربية السعودية سنجد أن المملكة واجهت خطر الإرهاب، ومع ذلك استطاعت في تجربه فريدة فصل مفهوم التدين عن الإرهاب، فكيف حدث ذلك؟ وكيف يمكن في ظل الحلول الأمنية فصل التدين عن الارهاب؟
* الإرهاب الحديث له أسباب، حينما نصل إليها ونستطيع بيانها للمجتمع وللشباب المتدين خاصة سننجح في وأد الإرهاب وإضعاف جاذبيته، وفي ظني أن السعودية أدركت بعض الأسباب وعملت على العلاج من خلالها، لكنها لم تعالج كل الأسباب حتى الآن، ونحن في انتظار المزيد، وهذه الأسباب هي ما يلي وليس على سبيل الحصر:

١- تصور خاطئ عن مفهوم تطبيق الشريعة والسبيل الصحيح لتطبيقها.

٢- غياب مفهوم الموازنة بين المصالح والمفاسد، والموازنة بين المفاسد بمعنى تقديم أخف المفسدتين على أعلاهما عند الضرورة.
٣- غياب سيرة النبي صلى الله عليه وسلم، عن الاعتبار بها في خضم ما يستجد من أحداث.
٤- عزلة هؤلاء الشباب المتطرفين عن أهل العلم، وقد حدثت هذه العزلة نتيجة سنوات من العمل غير المقصود، والعمل المقصود، على تشويه صورة العلماء الحكماء في أذهان الشباب.
٥- انتشار مفهوم حزبي خاطئ، وهو أن الإصلاح لا يكون إلا عن طريق تغيير الحكام ومناهضتهم، الأمر الذي صرف همم كثير من الدعاة عن الدعوة والتربية إلى إيغار الصدور على الحكام واستخدام النصوص الشرعية لإثبات كفرهم، الأمر الذي أنشأ ظاهرة التكفير.
٦- ظلم وجور أكثر الحكام المسلمين واستهانتهم بالشريعة جملة وتفصيلاً، الأمر الذي جعل لكل الدعوات الثورية والتكفيرية جانبًا كبيرًا من المصداقية ساهم في تبرير التطرف.
٧- استغلال أجهزة الاستخبارات المختلفة إيرانية وصهيونية وأمريكية وأوربية وروسية لهذا التوجه، والعمل على اختراق هذه الجماعات حيناً أو إنشاء جماعات تحت قيادات عميلة لهم، وذلك بقصد تمرير مشاريعهم بطريقة يطول شرحها، لكن هذه الأجهزة الاستخباراتية وفرت غطاء إعلامياً وتغاضياً سياسياً وتمكيناً مادياً، بل وهيأت ظروفاً تجعل دعوات هذه الجماعات أكثر إقناعاً.
٨- وهي النقطة الأخيرة.. استغلال منظري الجماعات لنصوص من الكتاب والسنة متشابهة، أو نصوص تعسفت في حملها على نظرياتها التكفيرية، وذلك لمزيد من القدرة الإقناعية على جلب الأتباع أو التبرير للنفس، لأن كثيراً منهم يعتنقون الفكر التكفيري المتطرف الدموي قبل البحث عن دليل له.

التعذيب والقمع.. والتشدد والتكفير

** وماذا عن المقولة التي تقول إن التعذيب والقمع هو الذي يولد التشدد والتكفير والإرهاب.. فبرأيك هذه المقولة صحيحة.. ولماذا؟
* كل عمل غير مشروع سوف ينتج ثماراً مُرة، لكن ليس بالضرورة أن تكون هذه الثمرة تكفيراً وإرهاباً، بل قد تكون على النقيض وهو التهتك والإلحاد، فالتعذيب ليس هو المصدر الوحيد للتوجه التكفيري بل هو أقل مصادره، ونحن نرى أن أكثر المعتنقين له لم يدخلوا السجن أصلاً.

ليست نبتة سلفية

** لكن هناك بعض المشايخ يرون أن داعش نبتة سلفية أصيلة.. فكيف ترون ذلك؟
* أعتقد أن الذي يقول ذلك هو مثل من يقول إن الخوارج هم نبتة راشدية، بل القول بأنهم نبتة راشدية أقرب، فقد بدأت نشأتهم في عصر عثمان رضي الله عنه، واستكملت في عصر علي رضي الله عنه، بل خرجت من جيشه.
بل لي من خلال هذا المنطق أن أقول داعش نبتة قطبية، لأن منظر التكفير أبو محمد المقدسي قد صرح بتأثره بسيد قطب رحمه الله، بل إن سيد قطب هو صاحب العبارة الشهيرة (طريقنا مفروش بالأشلاء)، والذي يعرفه كل من ناقش التكفيريين أنهم قرأوا كتب الدعوة السلفية بعد أن اعتنقوا التكفير أو اقتربوا منه، هذا في الغالب وليس العكس، أي ليس أنهم كفَّرُوا من أجل أنهم قرأوا كتب الدعوة.

الغلو في الدين

** هل التطرف والإرهاب والتكفير حكر على أهل السنة كما يدعي البعض؟ وماذا عن المجازر التي ترتكب ضد المسلمين السنة في العديد من البلدان العربية والإسلامية؟
* للجواب عن ذلك يمكن الحديث عن ظاهرة نشوء الإرهاب من عدة زوايا أبدأها بما يلي:
١- الغلو في الدين يعبر عن خلل في فهم الدين يقع دائمًا بين فئة تقل وتكثر في أتباع الديانات في كل زمان ومكان، وليس مقتصرًا على الدين الإسلامي.
ولهذا قال تعالى مخاطباً أهل الكتاب من اليهود والنصارى (قل يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم غير الحق ولا تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيرًا وضلوا عن سواء السبيل)، وقد غلا اليهود والنصارى في عدة جوانب أبرزها، جانب العنف وجانب الرهبانية، وحديثنا هنا عن جانب العنف، فقد مارسه اليهود والنصارى عبر التاريخ مرات عديدة، قاموا خلالها بمحاولات بشعة لتصفية مخالفيهم، وقد نصت التوراة المحرفة على صور من هذه التصفية العرقية، كما هو مسطور في سفر يوشع بن نون وغيره من الأسفار، حيث يروي ذلك السفر القصة المزعومة ليوشع بن نون في استئصال الفلسلطينيين.
وعلى مر التاريخ شهدت العصور مجازر تصفيات عرقية بذرائع دينية من أهل الكتاب، من أبشعها مجزرة القدس سنة ٤٩٢ هـ، محاكم التفتيش في إسبانيا، ومجازر البلقان في نهاية القرن التاسع عشر الميلادي، والتي كانت تصفية المسلمين فيها على أسس الغلو في الدين، حتى قال الشاعر أحمد شوقي وهو يُخٓلد مجازر مقدونيا:
ويحثه باسم الكتاب أقِسَّة .. نشطوا لما هو في الكتاب حرام
وفي السنوات المتأخرة، كانت مجازر الآرثوذكس ضد مسلمي البلقان أيضًا وهي لا تخفى على الجميع، أما مجازر اليهود ضد المسلمين في الضفة الغربية وغزة فأشهر من أن تعرَّف، وكذلك ما فعله الأمريكان والروس في الأفغان، وما فعله الأمريكان في العراق.
المهم من ذلك أن قصة الغلو في الدين عن طريق الإسراف في قتل المخالف لا ينجو منها أتباع دين.

هذا الجانب من الغلو يمكن أن نصفه بأنه جانب تلقائي يكمن في نزوع بعض النفوس البشرية بطبعها إلى العنف، فتختلط هذه النزعة بالتدين أياً كان المتدين، سواء أكان يهودياً أم نصرانياً أم مسلماً، فتنتج غلواً في جانب العنف، لكن الإسلام استطاع أن يٓحُدَّ من هذا الأمر كثيراً، وذلك عن طريق الدقة والوفرة في التعاليم المحفوظة والبعيدة عن التحريف والعبث، والتي لا توجد في دين آخر، ولذلك كان المسلمون السنة على مدى تاريخهم حتى عصرنا الحاضر أقل الأمم غلوا في الدين في جانب العنف ، بل حتى التطرف والغلو الموجود حالياً في المنظمات المتطرفة المنتمية للإسلام السني خاصة، كالقاعدة وداعش أقل بكثير من الغلو والتطرف الموجود لدى الصهيونية اليهودية أو الصهيونية النصرانية أو الصفوية الشيعية.

سياسة “سلمان” الجديدة

** كيف تنظر الى عهد العاهل السعودي الجديد الملك سلمان، وما هو المطلوب في هذه المرحلة؟ وما سر التغييرات الكبيرة التي أجراها؟
* كل دولة لها استراتيجيات، أي غايات وأهداف عليا، وطرق واسعة للوصول لهذه الغايات والأهداف، ولها أيضًا تكتيكات أي طرق للتعامل الجزئي في بعض الظروف، والمنحنيات مع الاستبقاء على الهدف والطريق الاستراتيجي.
ما تم في عهد الملك سلمان هو إن صح التعبير تغير في التكتيك بشكل يرى الملك ومساعدوه أنه أنسب للمرحلة.
البعض تصور أن المملكة تخلت عن مواقفها السابقة من خلال ما رأوه من معالم تدل على تغير التكتيك، وكان هذا خطأ كبيراً في التقدير.
فموقف السعودية كان ومازال ممتازاً مع تركياً، ولم يظهر عليه سابقا أي شيء يدل على قطيعة بين البلدين، والتعاون التجاري والسياسي والاستخباراتي ظل قائماً ولم يستجد فيه شيء سوى الزيارتين الأخيرتين للرئيس التركي.
وقل الشيء نفسه في موقف المملكة من قطر ومصر واليمن والعراق وإيران وسوريا، والذي تغير فقط هو أسلوب العمل وطريقة الحركة، وأعتقد جازمًا أن الأسلوب الجديد في التعاطي أفضل وأنسب للمرحلة، ولدي انطباع بأن طريقة الدول التي ذكرتها ما عدا النظامين السوري والإيراني، هي التي تغيرت مع السعودية وليس العكس.

الحوثيون وانزلاق المملكة للحرب معهم

** في الجزء السابق من الحوار معكم ذكرتم أن إيران والحوثيين يستدرجون المملكة نحو معركة معهم وأنهم يرغبون في ذلك، والآن وبعد قيام السعودية فعلاً بالحرب على الحوثيين ما تعليقك؟
* ما زلت أعتقد أن الحوثيين ومن ورائهم إيران كانوا يستفزون السعودية كي تنزلق في حرب معهم، وفعلاً دخلت السعودية هذه الحرب لكنها بكل ما أحاط بها كانت مفاجأة، ليس لإيران والحوثيين وحدهم، بل لكل المراقبين بمختلف تخصصاتهم.
وأظن أن إيران ومن معها بل وجميع المراقبين، يتصورون أن الموقف الأمريكي والعربي سيكون مشابهًا للموقف من مشاركة السعودية في الحرب السادسة على الحوثيين قبل سنوات، وأن دول العالم ستضغط على السعودية من أجل التوقف عن الحملة، وبذلك تخرج السعودية منكسرة، وتخرج إيران ومن تبعها في منتهى القوة.

لكن الدبلوماسية السعودية عملت في الخفاء عملاً في غاية التعقيد والإحكام أدى إلى موقف عربي وإقليمي شبه موحد، مما اضطر القوى الدولية للإذعان لهذا الموقف، وجعل إيران في حرج كبير.

عاصفة الحزم

** وهل ترى في الأفق مخاطر على هذا التحالف؟
* أي عمل عسكري في مجتمع دولي تتضارب مصالحه مثل تضارب الأمواج، لابد أن له مخاطره، لكن التخطيط المتميز الذي بدأت به عاصفة الحزم يجعلنا على ثقة بإذن الله، من أن الدول المتحالفة وعلى رأسها المملكة العربية السعودية، قد أعدت لكل سؤال جوابه.

مشروعية الحرب

** وبصفتكم متخصصًا في الشريعة.. هل تجد إشكالية في الإفتاء بمشروعية هذه الحرب؟
* أعتقد أن هذه الحرب لقيت من تأييد الجهات الشرعية ما لم تجده أي عملية عسكرية منذ أكثر من خمسة وعشرين عاماً، فقد توافقت على الإفتاء بمشروعيتها هيئة كبار العلماء في السعودية واتحاد علماء المسلمين ورابطة علماء المسلمين، وصدر فيها بيان من شيخ الأزهر، ومن رابطة العالم الإسلامي، وبذلك نعلم أن الحكم فيها أكثر جلاء من أن يوضح، ويمكن للقارئ الكريم مراجعة بيان هيئة كبار العلماء للتعرف على أدلة المشروعية.

 

التعليقات

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.