الممانعة المجتمعية

تكبير الخط تصغير الخط

اسم الكتاب : الممانعة المجتمعية
المؤلف : د. محمد بن إبراهيم السعيدي.
الناشر: دار الوعي للنشر،مركز الفكر المعاصر.

——————————
المقدمه:

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف المرسلين وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه إلى يوم الدين أما بعد :
اعتنت الأمم المتحضرة كثيراً بكتابة تاريخ الدول والحروب وإلى حدٍ لا بأس به بتاريخ الأفكاروالعقائد , لكنها لم تُول التأريخ للأخلاق والطبائع ما يستحقه من العناية , ومع ذلك فإن الباحث لا يعدم وسيلة للتعرف على معالم الأخلاق في كل عصر من العصور من خلال ما يكتبه المؤرخون أو الأدباء ومع ذلك تبقى الصورة لديه غير مكتملة لأنه تأريخ مستنبط وليس تأريخا مقصوداً لذاته , وللا يخفى على من له إلمام بهذه العلوم أن التأريخ المستنبط يقدم نتائج خطيرة جداً لأن الوقائع ليست هي العامل الأساس في كتابته لكنه مستوى إدراك الكاتب وما يعتوره من ميول خاصة به وإحاطة علمية تتفاوت من شخص إلى آخر.
نعم : إن الوقائع قد تختلف أو تختفي بعض حقائقها باختلاف نقلتها , وهذا وإن شكل خطراً على التاريخ فإن الخطر يكون مضاعفاً في حال الاستنباط من تلك الوقائع التي يطرأ على نقلها ما يطرأ.
أضرب لذلك مثلا بالأخلاق في البصرة أوائل القرن الثاني .
فإنك حين تستنبط تأريخك للأخلاق من كتب الأدب ودوواوين الشعراء ستجد أمامك مجتمعاً غير مشرف في أخلاقه لغلبة التهتك والتغاضي عن المنكر وشيوع الفاحشة وعدم استبشاعها , وحين تنتقل إلى كتب التراجم ستتغير الصورة لديك وتجد نفسك أمام مجتمع منشغل بالعلم مُبجِّلٍ لأهله محبٍ لأخلاق الزهاد منصرف إلى مجالس الوعظ . يكثر فيه الكرماء وأهل المروءات .
وحين تحاول الاستعانة بكتب الفرق والمذاهب ستجد نفسك في مواجهة مجتمع منهك بالبدع متفرق في دينه سريع الاستجابة لكل داعية إلى ضلالة .
أما كتب التاريخ فسوف تصور لك أنك أمام مجتمع لا يكاد الرجل يجلس فيه في بيته إلا ويُدعلى إلى معركة إما فتنة وإما فتحاً .
وحين يأتي من يروم التأريخ للأخلاق عن طريق الاستنباط من بين كل هذه التناقضات فإنه لن يسلم من دواعي عوامل عدة ستؤثر حتما على نتيجة استنباطه , وليس أقلَّلها أثراً نزعته الفكرية ومنهجه الاعتقادي.

(1)
لكن النتيجة التي قد يتقارب في إثباتها الجميع هي : أن الأخلاق والطبائع تختلف سرعة تحولها من زمن إلى زمن ومن مكان إلى مكان , ففي حين تجد المجتمعات المنغلقة تحافظ على طبائعها أزمانا قد تصل إلى القرون نجد المجتمعات المنفتحة يتسارع فيها التغير الإخلاقي حتى إنه حتى وربما لا يستغرق سنوات قليلة .
فالتاريخ المروي للعرب قبل الإسلام لا يُشير إلى تغيرات أخلاقية حادة رغم أن رغم أن المدة الزمنية تصل إلى خمسة قرون عند كثير من المؤرخين , وبعضهم يوصلها إلى أكثر من ذلك .
فحكايات طسم وجديس والعماليق وجرهم لا تُشعرنا بفوارق تستحق الوقوف عندها بين مجتمعاتهم والمجتمعات التي يُعبر عنها شعر المهلهل أو من جاء بعده كالسموأل وامرئ القيس , أو من عاصر الرسالة من بعدهم كزهير وعنترة والأعشى ولبيد .
بينما نجد الأخلاق أسرع حركة في البلاد المنفتحة على الحضارات المتعددة كالشام والعراق , وإن كانت هذه السرعة في التحول الأخلاقي مهما بلغت لا يُمكن مقارنتها بما نلمسه في عصرنا الحاضر من تحولات أخلاقية شملت جميع أجزاء الكرة الأرضية , وذلك للتغير الجذري في العوامل المؤثرة على التحول الأخلاقي على مستوى العالم بأسره .
(2)
سرعة التحول الأخلاقي في عصرنا الحاضر تُشكل خطراً كبيراً جداً على جميع أمم الأرض , فإن قِيَم الأمم عنصر هام من عناصر استقلالها الثقافي والسياسي , وأي تحول قِيَمِي غير محسوب المدى والاتجاه سيؤثر سلباً على استقلال الأمة وعلى مكانتها الحاضرة وعلى مستقبلها بمختلف آفاقه .
وإذا كانت أمم الأرض جميعاً معنية بالحفاظ على قِيَمِهَا من باب الحفاظ على هويتها المعبرة عن ذاتها وحرصاً على استقلالها , فإن أمتنا الإسلامية يجب أن تكون أشد حرصا على التشبث بما لديها من قِيَمٍ كان عامل الدين أكثر العوامل ظهوراً في تكوينها, ولهذا أصبح ما تحمله من قِيَم جزءً لا يتجزؤ من رسالتها للعالم , وحين تفقد هذه الأمة قيمها فإنها لا تفقد حضارة أو تاريخا أو استقلالاً مجرداً بل تفقد رسالة اختصها الله سبحانه وتعالى بها موجهةً للناس كافة .
(3)
في سنواتنا الأخيرة لم يعُد التغيير القيمي مسألة تلقائية تتم بطريق تفاعل الحضارات وتأثير بعضها في بعض كما كان الأمر عليه من مآت السنين , بل أصبح تغيير القيم صناعة سياسية واستراتيجية تخطط لها دول العالم الأول ليس لأجل تغيِير أخلاقي لا مصلحة لها فيه كما يتوهمه البعض بل بُغية الوصول عبر الأخلاق إلى هيمنة سياسية واقتصادية قِوامها جذب الأمم عبر قواعدها العريضة وهي الشعوب بدلاً من الفكرة القديمة التي كانت تسود العالم منذ فجر التاريخ وهي الهيمنة على الأمم عن طريق قهرها سياسيا وعسكرياً.
فللهيمنة على الأمم في عصرنا الحاضر أسلوب آخر تعمل دول الاستكبار العالمي على تفعيله بشكل مصاحب لتدخلها العسكري أو سابق له وهو تغيير القيم .
وقد أفاض في ذلك فوكوياما في كتابه نهاية التاريخ ومن قبله هنتنجتون في كتابه صراع الحضارات ومن بعدهما العديد من التقارير عن جهات شتى ليس هنا مجال الاستطراد في الحديث عنها .
لكنه مجال طرق الوقاية من الحروب الأخلاقية وهو ما أعنيه بهذه الرسالة التي أقدم لها :
نحو تأصيل فكري للممانعة المجتمعية .
فالمجتمع هو حارس الأخلاق والقيم , ينبغي أن يكون كذلك , لأن القيم والأخلاق هما آلته التي يتحرك بهما في يومه وليلته بل في منامه ويقظته وفي حل وترحاله , وهي المعرفة له بين الأمم بل هي المعرفة به أمام نفسه .
فإذا لم يكن المجتمع حارسا على قيمه فلن يُستأمن على شئ آخر أبدا.
ومن واجب المفكرين أن يبذلوا قصارى جهدهم في تنبيه الأمة إلى السلاح الذي تستطيع به حراسة ما آتاها الله إياه من قيم وأخلاق كما يجب على الحكام إعداد القوة لحراسة ما آتاهم الله من أرض ورباع .
وحين أكتب هذه الرسالة فإنني آمل أن يكون ذلك بداية مشروع فكري يتعاون على إنجازه المخلصون والله من وراء القصد.

التعليقات

التعليقات مغلقة.