أكّد أن مجالس الإفتاء في المناطق ستحل مشكلات الفتوى.. د. محمد السعيدي لـ«الجزيرة»:

تكبير الخط تصغير الخط

لقاء صحيفة الجزيرة مع د.محمد السعيدي

http://www.al-jazirah.com/2016/20160930/tn1.htm …

طالب خبير متخصص في الدراسات الفقهية هيئة كبار العلماء ضرورة إيجاد مركز بحثي قوي يكون في خدمة العلماء يتولّى بحث جميع ما يُعرض على الهيئة من قضايا ليس بحثاً فقهياً مجرداً وحسب بل بحث استراتيجي وإحصائي ولاسيّما في القضايا السياسية العالمية.
وفي هذا الحوار مع الدكتور محمد بن إبراهيم السعيدي أستاذ أصول الفقه بجامعة أم القرى، وعضو في عدد من اللجان العلمية، وله حضور علمي كبير من خلال مشاركته في الندوات والمؤتمرات التي تعقد في داخل المملكة وخارجها، وعشرات الكتب والأبحاث والدراسات العلمية، وهو من المتميزين البارزين بالحضور الإعلامي الدعوي المستنير عبر وسائل الإعلام المختلفة.
يؤكّد د. محمد السعيدي لـ«الجزيرة» أن التعليم الشرعي في بلادنا له أثر عظيم جداً لا يدركه إلا من قارن بين الشباب السعودي ونظرائهم من شباب بلدان العالم الإسلامي الأخرى، مشيراً إلى تقصير الإعلام السعودي والإعلام المحسوب على المملكة في الدفاع عن السلفية وأنها تقترب من الصفر في بعض الأحيان وتسير في الاتجاه المضاد للسلفية في أحيان أخرى. كما تناول الحوار مع د. السعيدي عددا من قضايا الساحة الإسلامية.. وفيما يلي نصّ الحوار:
أنشأتم مؤخرًا مركز سلف للبحوث والدراسات، وهو مشروع قوبل من ذوي الاختصاص بالقبول والرضا.. ترى هل تعتقدون أن هناك تقصيرا من قبل مؤسساتنا الشرعية وجامعاتنا الإسلامية في الذب عن السلفية وتصحيح المفاهيم المغلوطة عنها ؟
– أشكر مشايخنا العلماء وإخواننا من طلبة العلم الذين رحبوا بهذا المركز منذ أن كان فكرةً وشجعوني على العمل لإنشائه والحقيقة أنه وحتى هذا اللقاء لا زال المركز مشروع قيد الإنشاء ولم يتم الانتهاء من إجراءاته النظامية وترتيباته العملية، لكنّ بدايتنا فيه أستطيع وبكل ثقة أن أصنفها بأنها موفقة من حيث الجماهيرية التي استقبلت بها بواكير إنتاج هذا المركز ومن حيث طلبات التعاون مع نشاطات المركز من باحثين أكفاء في داخل المملكة وخارجها.
أما من جهة المؤسسات العلمية السعودية والإعلامية في الدفاع عن السلفية فإن الحقيقة في نظري مُرّة جداً لأن جميع مشاريع الدفاع عن السلفية في وقتنا الحاضر لا تليق بمكانة المملكة العربية السعودية هذه الدولة العظيمة التي يعود إليها وحدها بعد الله عز وجل الفضل في نشر هذا المنهج ليس على مستوى العالم الإسلامي وحسب بل على مستوى العالم أجمع.
أما الإعلام السعودي والإعلام المحسوب على المملكة العربية السعودية فجهوده في الدفاع عن السلفية تقترب من الصفر في بعض الأحيان وتسير في الاتجاه المضاد للسلفية في أحيانٍ أُخر.
لكم رؤية جريئة حينما طالبتم في حوار صحفي سابق على ضرورة إعادة هيكلة هيئة كبار العلماء لمواكبتها متغيرات العصر ترى كيف يكون ذلك؟
– يكون ذلك بالأمور التالية:
أولاً: إعادة مسؤولية تكوين هيئة كبار العلماء إلى العلماء أنفسهم، فمن المعلوم أن تقييم العلماء تقييماً صحيحاً وتسمية من هو عالم وتمييز العلماء من الدعاة وطلبة العلم مهمة لا يطيقها ولا يتمكن منها إلا العلماء، وقد كان هذا هو المعمول به سابقاً ثم غُير وأصبح التعيين في الهيئة يشبه التعيين في أي جهةٍ إدارية واستشارية.
وإعادة الأمر إلى ما كان عليه على الشكل الذي قدمت سيعطي الهيئة قوة في تكوينها وقوةً في أدائها نحتاج إليها في هذا العصر.
ثانياً: أن يُضم إلى الهيئة مركز بحثي قوي يكون في خدمة العلماء ويتولى بحث جميع ما يعرض على الهيئة من قضايا ليس بحثاً فقهياً مجرداً وحسب بل بحثٌ استراتيجي وإحصائي ولاسيما في القضايا السياسية العالمية التي يجب أن يكون لهيئة كبار العلماء في السعودية فيها رأي لا يبنى على التصورات الشخصية للعلماء بل يبنى على نتائج دراسات علمية موثوقة، وكذلك في النوازل العصرية خاصةً تلك النوازل التي يحتاج الحكم فيها إلى نتائج إحصائية كقضايا سد الذرائع ودرء المفاسد.
ثالثاً: ينبغي أن يكون التسلسل الطبيعي في إقرار الأنظمة أو رفضها يمر على هيئة كبار العلماء ولاسيما وأن دولتنا المباركة دولةٌ مبنيةٌ على الشريعة وينص النظام الأساسي للحكم فيها على بطلان كل نظام يخالف الكتاب والسنة ولذلك أقترح أن تقوم هيئة كبار العلماء في بلادنا مقام المحكمة الدستورية في البلاد الأخرى.
كثرت في الآونة الأخيرة ظاهرة التصنيفات في المجتمع وبالذات لمن يعملون في المؤسسات الشرعية أو الحقل الإسلامي.. ترى ما مخاطر ذلك على أمن الوطن، وما أسباب تلك الانقسامات؟
– التصنيفات هي نتاج ضعف الطاعة لأولي الأمر بقسمهم الأول وأعني بهم العلماء، فلما كان الرأي في التعامل مع الأفراد والهيئات والنوازل الفكرية والسياسية منفكاً عن طاعة العلماء الكبار واعتبار توجيهاتهم في مثل هذه الأمور وُجدت الفُرقة في تصوير المنهج الشرعي الصحيح في التعامل مع هذه القضايا.
في رأيك كيف نتج الضعف في طاعة العلماء؟
– في أوائل هذا القرن الهجري نشأت طائفةٌ من طلبة العلم أشاعوا بين الناس فكرةً ظالمة فوق كونها خاطئة وسخيفة ومجافية للحق وهي: اتهام العلماء بالجهل بالواقع، وكان هؤلاء النفر من الدعاة ينسبون المعرفة بالواقع إلى أنفسهم مع لمزٍ وتجهيلٍ شديد للعلماء في ذلك، ولما أن لهؤلاء النفر من الدعاة جماهيريةٌ عظيمة بين الشباب الذين نشأوا في مطلع هذا القرن وتربوا على أفكار هؤلاء الدعاة، تلك الأفكار التي منها الحكم على العلماء بالجهل بالواقع مما أدى إلى عزلة الشباب عن العلماء وبحثهم عن مصادر أخرى للتلقي.
يؤكد بعضهم على أن التأصيل الشرعي مرتكز أساسي لحماية الفكر، فيما يرى آخرون أن تطبيق المنهج الشرعي في مدارسنا وجامعاتنا لم يثمر في مخرجاته.. رأيكم؟
– التعليم الشرعي في بلادنا له أثرٌ عظيم جداً لا يدركه إلا من قارن بين الشباب السعودي ونظرائهم من شباب بلدان العالم الإسلامي الأخرى.
وسوف تكون نتيجة المقارنة بشكل تفوق الشباب السعودي في فهم دينهم عقيدةً وفروعاً كما أنه أبعد الشباب عن الوقوع في براثن الخرافة التي يُسوق لها باسم الدين، ولا أنكر أبداً أن هناك ضعفا في المخرجات في جميع المواد وليس المواد الدينية وحسب فهناك ضعف في الرياضيات والفيزياء والكيمياء فلماذا يُركز الحديث في ضعف المواد الدينية وحسب؟!
يجب علينا إعادة النظر في أشياء كثيرة في التعليم، بناء المدرسة، بناء الأنظمة التعليمية، بناء المعلمين، إعادة النظر في النظام التربوي لأبنائنا، فحصر المشكلة في المناهج الدينية ليس منهجاً علمياً للإصلاح مع وجوب ملاحظة أن التعليم في العالم كله يتقهقر نتيجة عوامل كثيرة ليس هنا محل ذكرها.
يرى بعض القائمين على الدعوة والتعليم إن الإصلاح في المجتمعات لا يكون إلا عن طريق تغيير الحكام ومناهضتهم بل واستخدام النصوص الشرعية وثبات كفرهم مما يؤجج الشباب ويوغر في صدورهم العداوة وتكفير المجتمعات..كيف يمكن معالجة ذلك الخلل الخطير؟
– إذا نظرنا إلى التاريخ منذ عام 1393هـ وحتى عام 1400هـ نجد أن العالم الإسلامي عاش سبع سنواتٍ سمان من حيث الانتصار على الصهاينة في حرب العاشر من رمضان والتقدم الاقتصادي في معظم البلاد الإسلامية والعربية منها بشكل خاص، وقوة مشروع التضامن الإسلامي الذي أسسه الملك فيصل وتولى قيادته من بعده الملك خالد- رحمهما الله-، ولو استمرت تلك الفترة كما أُريدَ لها أن تستمر لكان وضع المسلمين اليوم ممتازاً من جميع النواحي لكن ظهرت على السطح الأفكار الحزبية المنتسبة للإسلام وهي أفكار مخالفة للكتاب والسنة ومنهج الرسول – صلى الله عليه وسلم – في الدعوة حيث ترى أن الإصلاح يبدأ من أعلى الهرم مع أن نصوص الكتاب والسنة ومنهج الأنبياء في الإصلاح أنه يبدأ من القاعدة وهم الأمة.
وقد جربت الحركات السياسية المنتسبة للإسلام فكرة تغيير الحكام فلم يذق المسلمون جراءها إلا وبالاً وللأسف فإن منظري هذه الحركات استخدموا مبدأ تكفير الحكام كمحرك لمشروعهم التغييري وكأي فكرة فاسدة تطورت فكرة تكفير الحكام لكي تصل إلى فكرة تكفير الشعوب وهي الفكرة التي استغلتها المخابرات العالمية لكي تُلحق بأمتنا الويلات وتوقعها في كثيرٍ من الشراك التي يشهدها المتأمل الآن.
وأعتقد أن توعية الشعوب إلى الفكر الإصلاحي الصحيح باستخدام جميع القنوات المؤثرة هو الحل، وهذا المنهج يتلخص كما يقول العلماء في قوله تعالى: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا.}
ما رأيكم في تكوين مجالس للإفتاء في كل منطقة من مناطق المملكة وتكون مرجعيتها دار الإفتاء تخفيفاً للناس، ولوجود علماء أكفياء متخصصين في العلوم الشرعية بكل منطقة؟
– أعتقد أن هذا المقترح هو المنصوص عليه في التنظيمات الأخيرة للإفتاء التي صدرت قبل أكثر من خمس سنوات ولا أعلم ما هي العوائق التي تحول اليوم دون أن نراها على أرض الواقع، فهي في الحقيقة ليست حلاً لمشكلة انشغال الهيئة العليا للإفتاء وحسب بل حل للعديد من مشكلات الفتوى التي يعاني منها المفتون والمستفتون علو حدٍ سواء.

التعليقات

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.