متى كان القفز والهمهمة دينا؟

تكبير الخط تصغير الخط

نقول تعليقا على ما انتشر -في مقاطع مصورة- من إقدام صوفية، على إقامة شعائرهم في الذكر عند الجبل الذي نزل فيه الوحي على نبينا وسيدنا محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم، والذي تمثل في الدوران حول أنفسهم، مع إطلاق أصوات غير مفهومة المعنى، كقولهم: هه، هه. وهذا كنا رأيناه منهم في بلدانهم، حتى في مساجدهم يفعلون ذلك، ويفعلون أكثر من ذلك؛ كالجري والقفز ونحوه، ولا ندري كيف صار وسيلة لذكر الله تعالى المعظم، وقد قال سبحانه: {ادعوا ربكم تضرعا وخفية إنه لا يحب المعتدين}، وقال: {ويدعوننا رغبا ورهبا وكانوا لنا خاشعين}، فأي من هذه الأوصاف القرآنية للذاكرين لاتراها في هذا النوع من الذكر الصوفي، وما ظننا يوما أن يفعلوه في حرم الله مهبط الوحي، والإيمان، والتوحيد، والسنة، والاتباع! فمن أين أتوا به، وكيف ابتدعوه؟
فهذا موضع البحث والكلام، فمن المسلم به عند أدنى من له معرفة بآثار الوحي من كتاب وسنة: أنه ليس في النصوص تشريع لهذا النوع من الذكر الدوراني، مع تلك الهمهمات، والهاءات، فلم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا أصحابه لا معه ولا من بعده، ولم يفعله أهل القرون المفضلة، ولا الأئمة من العلماء محدثين ومفسرين وفقهاء، لم يعرف إلا بعد ظهور المذهب الصوفي في بداية القرن الثالث، والظن أنه لم يبدأ معه، بل تأخر حتى تشبع المتصوفة بمذاهب الفلاسفة في التنقية والتصفية، أقول: تشبعوا. بمعنى: عرفوا أنه يمثل حقيقة التصوف، ومن ثم تضلعوا منه، ومن قبل كانوا على جهل وشك من ذلك، فطوائف من أوائل المتصوفة لم يكن لهم مثل هذه البدع، مثل المحاسبي، وعمرو بن عثمان المكي، والجنيد، ومحمد بن خفيف الشيرازي، فضلا عن أبي سليمان الداراني، وإنما حدث ذلك في القرن الرابع، لما صار أقطاب الفلسفة – كابن سينا – يقرر وينظر لأمور التصوف في التزهد، والتزكي، والترقي في معارج السالكين، فجاء بطرائق الفلاسفة في ذلك وقدمها للمتصوفة، فقبلوها وأخذوا به لما علموا من النسب القائم بين المذهبين: التصوف، والفلسفة.
أصل المسألة، أن المتصوفة لما عرفوا التصوف قالوا: هو التخلق بأخلاق الله. قال ذلك: أبو الحسين النوري، والغزالي، وابن عربي، والكاشاني، والجيلي. وغيرهم، وهو مشابه لتعريف الفلسفة كما أورده الجرجاني، قال: التشبه بالإله بقدر الطاقة. والغرض من هذا التخلق والتشبه: تحصيل الخلاص من أحكام البدن، وانطلاق الروح للاتحاد بالأعلى، وهذا ما يوضحه الجيلي بقوله: “ولهذا أمرنا السيد الأواه فقال: تخلقوا بأخلاق الله؛ لتبرز أسراره المودعة في الهياكل الإنسانية”. لكن لازلنا في تساؤل: ما علاقة هذا بالدوران، وكيف صار مظهر للذكر؟
يجيب عن ذلك بوضوح ابن طفيل في قصته “حي بن يقظان” ويذيله بالقول: من درر ألفاظ الرئيس ابن سينا. ثم راح يظهر طريقة التصوف في الذكر؛ للوصول إلى درجة الروحانية المحضة، مع التخلص من أحكام الجسد؛ لتحصل له المشاهدة، فذكر أن أعماله ثلاثة:
– عمل يتشبه به بالحيوان، من حيث البدن.
– عمل يتشبه به بالأجسام السماوية (=الكواكب).
– عمل يتشبه به بالموجود والواجب.
فالأول لا يحصل به شيئا من المشاهدة، والثاني في تشبهه بالكواكب يبدأ في تحصيل المشاهدة، حتى يتمه في الثالث على جهة التمام، فتحصل المشاهدة الصرفة. ومقصود الكلام عن الثاني، وهو: التشبه بالأجسام السماوية. ففيه ثلاثة أضرب:
الأول: أوصاف التسخين والتبريد.
الثاني: أوصاف الطهارة والاستنارة والحركة المستديرة على مركزها وعلى مركز غيرها.
الثالث: أوصاف المشاهدة الدائمة والتشوق إليها.
فالصوفية يتبعون هذه الفلسفة، ويجرون بها الذكر الصوفي، ولو دققت في الضرب الثاني، وجدت المعنى المطلوب تحققه في فعل التشبه بالكواكب: الدوران حول النفس، وحول الآخرين. وهذا ما يفعلونه حذو القذة بالقذة، دينا تلقوه من الفلاسفة لا من الصحابة، ومن كتب أرسطو وأفلاطون، لا من كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، وإن المرء ليستقبح ذكره تعالى بهذا العبث الشيطاني، الذي يتبع فيما يتبع أمر الجاهلية، حين كانوا يصفرون ويصفقون عند البيت في طوافهم وحجهم، فقال تعالى عنهم: {وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكاء وتصدية فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون}. فالمكاء الصفير، والتصدية: التصفيق.
فهؤلاء يحيون سنة الجاهلية مجتمعة إلى طريقة الفلاسفة، ولو بيدهم فعلوه عند الكعبة بين زمزم والمقام، لإطباق الجهل على عقولهم، والهوى على قلوبهم، ولو أن لهم شيئا من الفهم، لأدركوا بفطرتهم قبل كل شيء، قباحة الذكر بطريقتهم هذه، الخالية من: الخشوع، والخضوع، والتعظيم، والتضرع، والتخفي. وتلك أوصاف الذكر المقبول عند الله تعالى.
وأي معنى لتلك الهمهمة التي ليس فيها حتى ذكر الله تعالى، بل المقصود جمع الهم على شيء بها، وليس هذا الشيء هو الله تعالى، بل ذلك المعنى الصوفي الفلسفي، وهو: الاتحاد بالأعلى. ولذا لايعنيهم أن يقولوا: الله. أو أية كلمة أخرى ولو خلت من معنى.
وقد كان ابن تيمية أعرف الناس بأحوالهم في الذكر ومقاصدهم، فليراجع كلامه في نقدهم للذكر بالاسم المفرد، فمما قاله: “وأما ذكر الاسم المفرد، فبدعة لم يشرع، وليس هو بكلام يعقل، ولا فيه إيمان، ولهذا صار بعض من يأمر به من المتأخرين، يبين أنه ليس قصدنا ذكر الله تعالى، ولكن جمع القلب على شيء معين، حتى تستعد النفس لما يرد عليها، فكان يأمر مريده بأن يقول هذا الاسم مرات، فإذا اجتمع قلبه ألقي عليه حالا شيطانيا فيلبسه الشيطان، ويخيل إليه أنه قد صار في الملأ الأعلى، وأنه أعطي ما لم يعطه محمد صلى الله عليه وسلم ليلة المعراج، ولا موسى عليه السلام يوم الطور، وهذا وأشباهه وقع لبعض من كان في زماننا. وأبلغ من ذلك من يقول: ليس مقصودنا إلا جمع النفس بأي شيء كان، حتى ليقول: لا فرق بين قولك: يا حيّ! ويا جحش!. وهذا مما قاله لي شخص منهم، وأنكرت عليه، ومقصودهم بذلك أن تجتمع النفس، حتى يتنزل عليها الشيطان. ومنهم من يقول: إذا كان قصد وقاصد ومقصود، فاجعل الجميع واحدا، فيدخله في أول الأمر في وحدة الوجود. وأما أبو حامد وأمثاله ممن أمروا بهذه الطريقة، فلم يكونوا يظنون أنها تفضي إلى الكفر”. الفتاوى 10/396
فما هم عليه من طريقة الذكر المستديرة هذه، تخالف طرائق أهل الإسلام، ولا يسع الخلاف السائغ أفعالهم المنكرة هذه، ولا تسلم لهم هذه البدعة: أنهم مجتهدون فيها. كما قد يقال في الموالد. كلا، بل هذه بدعة ضلالة، خارجة عن حد الخلاف السائغ، إلى الباطل المحض، فلا وجه له ليستدل عليها شرعا، بل ولا عقلا، إنما هوس وخبال، وأفعال جاهلية شركية فلسفية، تلبس بها أناس تركوا دينهم وعقولهم، وأقبلوا على أهوائهم ورؤسائهم، في “بغية الطلب في أخبار حلب” لابن العديم: ” أنشدني الظاهر الجزري (401هـ) لنفسه:
أرى جيل التصوف شرّ جيل … فقل لهم وأهون بالحُلول
أقال الله حين عشقتموه … كلوا أكل البهائم وارقصوا لي”
وفي “وَفَيَاتِ الأعْيان” لابن خلكان، في ترجمة إبراهيم بن نصر بن عسكر الموصليّ (610هـ)، في رده على ما عمله مكّيّ من إقامة السماع الصوفيّ:
ألا قل لمكّيّ قول النصـــوح ​ فحق النصيحة أن تستـمـع
متى سمع الناس في دينـهـم بأن الغنــــــــــا سـنة تـتـبـع
وأن يأكل المرء أكل البعـــــير ​ ويرقص في الجمع حتّى يقع
ولو كان طاوِي الحشا جائعـا ​ لما دار من طرب واستمــــع
وقالوا سكرنا بـحـب الإلـه ​ وما أسكر القوم إلا القصـع
كذاك الحمير إذا أخصـبـت ​ ينقّـــــزها ريّهـــــا والـشـبـع
فإذا كان فعلا بدعة ضلالة صرفا، ليس سند إلا في دين الجاهلية والفلاسفة، فليس له من ترحيب، ولا تسليم بحال، ولا سكوت بدعوى قبول الخلاف، فهذه الشعائر الشركية لا يجوز لها أن تمارس في البقاع المقدسة، بعد أن طهرها الله من الشرك والكفر، وأرسل النبي صلى الله عليه وسلم في السنة التاسعة عليا رضي الله عنه في الحج ليبلغ الناس: (ألا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان). لينزه البيت والحرم من العودة إلى ما قبل الإسلام، وفق الله الجميع لما يحبه ويرضاه، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.

أ.د.لطف الله خوجه

التعليقات

رد واحد على “متى كان القفز والهمهمة دينا؟”

  1. يقول علي عقيلي:

    الحمدلله الذي هدانا للاسلام
    نسال الله الثبات

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.