موسم قيادة المرأة والتعاطي الإعلامي

تكبير الخط تصغير الخط

الأمر السامي المتضمن منحَ الإناث رخصاً لقيادة المركبات، كان ينبغي لكل من علق عليه مؤيداً لمضمونه أو مختلفاً معه الانطلاق من المنهجية التي صِيغَ بها، وهي منهجية متميزة، تجمع ولا تُفَرِّق، تُحَبِّبُ ولا تُبَغِّض، وحُقَّ لها أن يستفيد منها الكُتَّاب من كلا الفريقين، لا أن يتجاوزوها إلى التشاتم والتشامت والمهاترات، التي تخرج بالموضوع عن كونه قضيةً يطلب الطرفان فيها مصلحة الوطن ودفع الضرر عنه، إلى فرصة ينتهزها الفُرقاء؛ لمغالبة خصومهم وكسر بعضهم عظام بعض.

فقد ابتدأ الأمر السامي بتعظيم قدر كبار العلماء، ممثلين في هيئتهم الرسمية؛ وذلك بإرجاع الأمر أولاً إليهم، وإيضاح أن الملك صدر في قراره هذا بعد مكاتبتهم؛ ليس لمعرفة موقفهم وحسب، بل لمعرفة المناطِ الأصولي الذي تعلق به المانعون والمجيزون منهم، ثم اعتُمد الأمر.

 نقطة الاتفاق بين أعضاء هيئة كبار العلماء كما نصّ البيان:

“أنهم لا يرون مانعاً من السماح لها بقيادة المركبة في ظل إيجاد الضمانات الشرعية والنظامية اللازمة لتلافي تلك الذرائع، ولو كانت في نطاق الاحتمال المشكوك فيه”، وأن الدولة ستعمل على إيجاد الضمانات، وتلافي الذرائع بوصفها حامية القيم الشرعية في هذا الأمر وفي غيره.

فهذا المرسوم يؤكد مرجعية الشريعة ومكانة العلماء، ومسؤولية الدولة في حماية القيم؛ وهذه المعاني كان الواجب اتفاق الأقلام على الصدور عنها وتأكيدها، واقتراح المشروعات والأفكار المعززة لها؛ لينتج عن ذلك توحيد الكلمة وتطمين المتخوفين القلقين؛ لكن الذي حدث هو ضد ذلك؛ من تعاطٍ يدعم القلق والخوف والشك، ويخالف نص المرسوم وروحه وغايته.

فظَهَر أحد المسؤولين يؤكد أن رُخص القيادة لن تحتاج إلى إذن ولي أمر المرأة؛ وهو فيما يظهر تصريح مخالف للأمر السامي، الذي ينص على أن هناك لجنة ستتولى تحديد الترتيبات اللازمة لتطبيق هذا القرار؛ ولاشك أن مثل هذا الافتيات يعزز مخاوف الممتنعين، ولا يتماشى مع روح الأمر السامي وحَرْفه.

كما صدرت تصريحات من عدد من المسؤولين تدعم توجهات القلقين، كقول أحدهم: إن هذا القرار ليس إلا فاتحة تغيير اجتماعي كبير. وقول أحدهم: إنه قرار سيصنع الفرق بين الأمس والغد. ويقول مسؤول ثالث عن هذا القرار: إنه نقلة اجتماعية. ومسؤول رابع يكتب عن هذا القرار: إن تاريخنا يُكتب من جديد!

وإلى جوار هذه التصريحات عدد آخر، أكثره ينطلق من مفاهيم أُخَر لم يتضمنها الأمر السامي، بل تضمن ضدَّها؛ فأي فارق بين الأمس والغد؟ وأي تغيير اجتماعي ونقلة اجتماعية؟ وأي كتابة تاريخ من جديد سيصنعها هذا القرار الذي لم يُرِد منه ولي الأمر كما هو نص البيان وروحه سوى تيسير وسائل الانتقال للنساء وليس فيه تغييراً للتاريخ ولا للمجتمع، بل فيه النص على مسؤولية الدولة عن المحافظة على القيم الشرعية للمجتمع؟

إن هذه التصريحات توحي للمتخوف بأن هذا القرار في نظر بعض المسؤولين ليس قراراً فَتَحَ طريقة انتقال جديدة للنساء، ولا هو تيسير لأمورهن الحياتية اليومية وحسب، بل يُرَاد منه نقل المجتمع وتغييره بالكليّة من حال إلى حال، وهكذا سيفهم المتوجسون.

أضف إلى ذلك أن المسؤولين الذين أصدروا مثل هذه التصريحات لم يبينوا ما هي الحال الاجتماعية الجديدة التي سيتم الانتقال إليها بعد تطبيق هذا القرار، ولم يوضحّوا أنه يحمّل المرأة مسؤولية انتقالها بنفسها على متن المركبات، بيد أن هذا الإيضاح كان حريّاً أن يقدمه هؤلاء المسؤولون، وإن لم يكن فالصمت كان أحرى بهم.

كذلك، فُهِمَ ترحيب الرئيس ترمب وابنته ووزيز خارجيته بهذا القرار في سياق سياسة العولمة التي لا تخفيها الولايات المتحدة ولا المنظمات النسوية في الأمم المتحدة، وكذلك فُهِمَ  قول الأمين العام للأمم المتحدة عن القرار: إنه خطوة في الاتجاه الصحيح.

وكل ذلك وغيره من ثناءات الدول الأجنبية والمنظمات الحقوقية والنسوية على هذا القرار كان مدعاةً لرد قوي ودبلوماسي في الوقت نفسه من هؤلاء المسؤولين ومن غيرهم، يُثلِج صدر المواطن السعودي، ويشرح للعالم: أن هذا القرار داخلي محض، ويمس المجتمع وخصوصيته، وأنه لم يكن لأي دولة أو منظمة غير سعودية حق انتقاص الوضع السعودي، لا قبل صدور القرار ولا بعده، فكذلك نحن في بلادنا دولةً وشعباً: في غنى عن أي تهنئات ذات منطلقات ثقافية وحضارية مختلفة كثيراً عنا.

كان يجب أن يشرح المسؤولون للعالم أن القرار خالٍ من أي دلالات مما ترمي إليه الولايات المتحدة والمؤسسات الغربية في مشروع نشر قِيَمِها في العالم، وليس له علاقة بما وصفه الأمين العام للأمم المتحدة بأنه “الاتجاه الصحيح”، ويعني به الأمين العام: ما تَفْهَمُه و تَرْسُمُه مؤسسات إدارته في قراراتها ومواثيقها التي تحفّظت عليها المملكة العربية السعودية مرات عديدة، على لسان سفيرها هناك عبدالله المعلمي، وعلى لسان وزير خارجيتها عادل الجبير، في قمة التنمية المستديمة.

إن قيادة المرأة المركبات كما هو نص المرسوم الملكي إنما جاء السماح بها درءاً للسلبيات الواقعة من عدم تمكينها منها؛ وجلباً للمصالح المتوخاة من ذلك. أما الأمم المتحدة والمنظمات الحقوقية ودول الغرب فهي لديهم خطوة ضمن مشروع عولمي تغريبي، ولن يرضيهم من بلادنا إلا رفع تحفظاتها عن اتفاقات ومواثيق كـ”السيداو”، و”التنمية المستديمة”، و”الأمومة والطفل”، وهو ما رفضته المملكة، وستبقى رافضة إياه بعون الله.

وليكن مما يقوله المسؤولون لهؤلاء المهنئين: إن عليهم العناية بملايين النساء اللواتي يتعرضن للقتل والاغتصاب في بلادهم، قبل أن يقلقوا على حال المرأة عندنا.

إن من المؤسف أن تشعر بأن هذا المشروع الأممي للمرأة له أنصار داخل المملكة، جلّهم من الكتاب والإعلاميين، الذين طاروا بكلمات ترمب وابنته فرحاً، وجاءت عناوين بعضهم وتعليقاتهم لتشعرك وكأن هذا القرار ليس إضافة في نظام المرور، وإنما هو قنبلة انفجرت في فئة من الشعب، أو حريق شب في تاريخ مقيت وبغيض؛ شاهد هذه العناوين :

– الملك ينتصر للمرأة.

-الأمر السامي يُسقِط آخر أوراق المتطرفين.

– المرأة السعودية تواصل انتصاراتها.

– نضالنا يحقق الثمار.

إن مثل هذه العناوين من كتاب كبار وإعلاميين تعطي انطباعاً بأنها صادرة عن نفسيات حاقدة على مخالفيها، أو متبنية تطلعات مؤسسات الأمم المتحدة النسوية، وليس تطلعات الملك ومؤسسة الدولة السعودية.

كنت أنتظر منهم أن يقدموا من الدراسات العلمية ما يدعم المرسوم حول البنية التحتية للنقل في عواصمنا، ومدى قدرتها على استيعاب الأعداد المنتظرة من السائقات، لكنهم اكتفوا بالسخرية من العلماء والحديث المأفوك عن وقوفهم في وجه التنمية ثمانين عاماً مضت، حتى جاء هذا القرار ليقضي على هيمنتهم، وكأنما العلماء طوال تلك السنين هم الذين حال دون تطوير وسائل النقل العام، ومنَعوا توسيع الشوارع والمواقف العامة في الأسواق، ولدى مدارس البنين والبنات، ومنعوا تطوير وتحديث النقل المدرسي!

كنت أنتظر أن يقدموا دراسة حقيقية عن الأثر الإيجابي الذي تحدثوا عنه كثيراً لهذا القرار على الاقتصاد؛ لكنهم لم يفعلوا، وبقي في ذاكرة الممانعين أن واردات السعودية من السيارات بقيمة ٦٠ مليار ريال، وأن الزيادة المتوقعة عليها بعد هذا القرار في مصلحة الدول المصنعة السيارات وليست بلادنا إحداها، وأظن أن العلماء ليسوا هم من حال دون أن تكون المملكة دولة مصنعة للسيارات.

وبقي في أذهان المانعين: أن قيادة المرأة المركبة لا تعني الاستغناء عن السائق الأجنبي، وللمسألة نظائر في جميع الدول المحيطة بنا، ولا توجد دراسة علمية تغير هذا الانطباع.

الخلاصة أن الاستقبال الإعلامي المحلي والعالمي، مع الأسف، يخدم المتوجسين من تبعات هذا القرار، وهو، مع الأسف أيضاً، ليس أول فشل لنا في المعالجة الإعلامية، وأظنه لن يكون الأخير.

د.محمد بن إبراهيم السعيدي

التعليقات

25 رد على “موسم قيادة المرأة والتعاطي الإعلامي”

  1. يقول الحسن الشنقيطي:

    قراءة واقعية تأتي على العطب فتداويه !!

  2. يقول د. أسماء:

    للأسف ، مجتمعنا منقسم إلى فريقين … فريق يشتم ويسخر وقد تجاوز حدود المعقول ، وألّف على القرار ماتهواه نفسه ، وفريق صامت ينتظر النتيجة ، ومتشنج ليس له من الحكمة نصيب ..

  3. يقول سامية عبدالله:

    كتبت ما في خواطرنا..لا شلت يمينك..ولا كسر قلمك
    ليتك ومثلك يا دكتور محمد رؤوس الأهرام في إعلامنا..لتمثلونا وتحملوا هموم أمتنا الحقيقية..التي ليست أهمها ءن تقود أمرأة
    عسى الله يأتي بالفرج او أمر من عنده

  4. يقول عبد الاه سعود العصيمي:

    كلام في غاية القمة

  5. يقول غير معروف:

    لله دك ياشيخنا كلامك اصاب عين الحقيقة

  6. يقول خالد موسى آل مزهر:

    كلام موزون وكلام رجل عاقل درس الامر من جميع الجوانب قبل الحديث عنه لله درك يا دكتور محمد

  7. يقول أبو وئام:

    وفقك الله د. محمد دائما مبدع متوسط لا إفراط ولا تفريط (مثلك يشكل منهج يحتاجه الوطن )

  8. يقول د. حسين السيد حسين محمد:

    بارك الله فيكم سعادة الدكتور مقال هام تم توضيح حقائق خفيه لم يتداركها المخالفين للقرار . كل ما أرجوه من الله ان يحفظ الله المملكة وشعبها

  9. يقول خالد العلي:

    الله يجزاك خير الجزاء د.محمد

  10. يقول غير معروف:

    جزاك الله خيرا شيخنا الكريم على الموضوعيه في الطرح

  11. يقول محمد الاحمري:

    يجب على كل مسؤل وعلى كل إعلامي أو الدعاة الآتي :
    1. أن يوضحوا للآخرين بأننا نؤمن بالكتب السماوية وجميع الأنبياء ودعوتهم جميعا لدين واحد هو الإسلام.
    2. إننا في هذا الوطن نطبق مضمون حياتنا وفق منهج الكتاب والسنة .
    3. إن ليس لأحد علينا ولاية لنترك ديننا ونتبع ضلاله.
    4 أننا ندعوهم إلى الدين الذي جاءت به الكتب السماوية وارسل الله به ال سل الإسلام ليكونوا إخواننا في العقيدة.
    فإنهم رفضوا فلهم فكرهم ولنا إسلامنا ، ونتعامل معهم حسب المصالح فقط.
    5. واجب على ولي الأمر محاسبة كل من يخطط لفساد مجتمعنا .

  12. يقول غير معروف:

    د محمد السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد بارك الله فيك وفي علمك ونفع بك ان شاء الله والله انك ماقصرت في الايضاح لمن يبحث عن الحقيقة ولكن نقول عسى بالأمر خيراً

  13. يقول ابو احمد:

    قمة العقل والوعي والإتزان في هذا الطرح،
    فليهنئك العلم يادكتور محمد.

  14. يقول أبو مالك:

    أنت كاتب ومفكر عاقل ، هنيئا لوطننا بك ، كثر الله أمثالك وبارك فيك وفيما تقول

  15. يقول يحي ابراهيم محمد عناني:

    هل الدولة أجبرت المواطن لاستخراج الرخصة لمن يعيلهم . كل شخص حر في أهله.
    هل السواقة هي التي سوف تجعل المرأة متبرجة.
    والله هناك نساءارجل من بعض الرجال.
    شئ وحيد يجب اتخاذه في العقوبات المتخذة للمتحرشين ان يكون صارم ورادع لاقسى الحدود.

  16. يقول عبدالكريم الموسى:

    جزاك الله خيرا….يا شيخ محمد …..هذا ما ينبغي المطالبة به …وتبيينه لمن انطلقت عليه حيل الليبرالية في تمرير القرار بشكل شرعي ثم قال الطاولة لصالحهم

  17. يقول بدر:

    الله ينصرك دنيا واخره هذا هو كلام
    ما خليت لي شي اقوله
    لي فتره اقول ان القرار ما فيه شي لكن لم يدرس دراسه كامله قبل تطبيقه

  18. يقول عبدالله الحسني:

    بارك الله فيك شيخنا. نعم الأمر السامي واضح وصريح وليس كما يحاول البعض تسجيل نقاط وتحقيق نصر مزعوم.

  19. يقول ناهد:

    كلام يثلج الصدر
    نعم لم يجبر ولي الأمر حفظه الله
    اي شخص على السماح لأبنته او زوجته بل هذا شأنه
    وان كل راعي مسؤول عن رعيته ولن يسأله الله عن النساء الأخريات فليطبق ما شاء على من تحت يده ويترك الخلق للخالق
    وما تقوله أمريكا او غيرها لا يعنينا نشكرهم على تهنئتنا وبلدنا تخصنا نحن فقط
    ليتنا نعي وندرك قبل ان نتحدث

  20. يقول متابع:

    احسنت د.محمد وشكر الله لگ أنتقاءگ الگلمات التي تجمع القلوب ولا تفرقها لقد أبدعت ووضعت النقاط على الحروف

  21. يقول يحيى القحطاني:

    جزاك الله خير دكتور محمد
    وحقيقية كلام رائع يغطي الكثير من هواجس المتخوفين من هذا القرار وهناك الكثير على ذلك
    نسأل الله السلامة وحسبنا الله ونعم الوكيل في من اندفع باصدار كلمات الفرح والاستبشار بهذا القرار من الزاوية الدنيئة التي ينظر من خلالها فقط.

  22. يقول ابو اسماعيل:

    جزاك الله خيرا ونفع بك
    هكذا يكون كلام أهل العلم المخلصون لدينهم وبلادهم

  23. يقول 1:

    أبدع الدكتور كعادته
    التوجس الاكبر ان هذا القرار ضمن الطريق الى نزع الحجاب عن المراة
    التوجسات الاصغر قضية التحرش ، الازدحام المروري ، ضعف قوامة الرجل ونحو ذلك

  24. يقول غير معروف:

    جزاك الله خيرا ونفع بك وبقلمك

  25. يقول أبو عمر الصالح:

    جزاك الله خير الجزاء و نفع الله بعلمك و بارك الله بك و لك .

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.