الواقع السياسي وسنوات ترمب الثلاث

تكبير الخط تصغير الخط

حقيقةُ أن الواقع مثيرٌ للقلق لا يمكن العبور عليها بسهولة، فالأزمات الدولية كل واحدة منها كفيلة بأن تثير حربا عالمية فيما لو تم التعامل معها بأقل قدر من الصفاقة. وسأتحدث هنا عن بعض ما يحيط ببلادنا، ففي سورية حيث تتنافس الدولتان العظميان من خلالها على النفوذ في المنطقة، كما تتنافسان في الحصول على المرجعية في حل مشكلاتها، وإيران حيث تكاد تنقلب بعض فصول المسرحية الأميركية الإيرانية إلى حقيقة، أي أن إيران التي كانت لسنوات تلعب بمهارة فائقة دور العدو لأميركا قد تنقلب عدوا حقيقيا في لحظة ما.
واليمن الذي تم غزوه من إيران تحت جُنْح الصمت الدولي، وهو الصمت الذي يُعَبِّر دائما عن الانحياز أو التواطؤ، ثم تم تدخل السعودية لإنقاذ اليمن من النفوذ الإيراني، بموافقة دولية من أعلى مرجعية في الأمم المتحدة، وأعني مجلس الأمن، وبالأخص الدول الخمس الدائمة العضوية، أي أن إيران دخلت بتواطؤ دولي ويراد إخراجها بقرار دولي.
المحصلة: إن القضية دولية بكل المقاييس، وإن من تواطأ على الاحتلال ثم أَذِنَ بطرد المحتل، له من ذلك غايات كبرى لا يمكن إغفالها.
وقضية الإقليم الكردي شمال العراق، هي أُولَى ثمار مخطط تقسيم منطقة الشرق الأوسط نضوجا، ولا يخفى الدعم الصهيوني والأميركي لمشروع انفصال إقليم الأكراد الشمالي، منذ عهد الرئيس صدام حسين، وقبل حرب الخليج الثانية بزمن ليس بالقصير. واليوم، تجتمع في هذا الإقليم كل مقومات الدولة المستقلة، بفضل سنين من العمل السياسي والعسكري الداخلي، والدعم المتواصل من الصهاينة والأميركيين، حتى جاء الاستفتاء الشعبي على كيان تَعَوَّدَ لعقدين من الزمان الاستغناء التام عن العاصمة المركزية، بل كان لقدراته الذاتية أثرها الكبير في تجنيب الإقليم كل أصناف الفوضى والتدهور التي عانت منها بقية الأقاليم، سوى مشكلة اللاجئين إذ ما زال ملاذا آمنا للسنة العرب الذين تم تهجيرهم قسريا من قراهم ومدنهم بفعل الصراع بين «داعش» والحكومة العراقية وحشدها الشعبي.
أما أزمة قطر، فهي نتيجة للانتفاض السعودي ضد مخطط التقسيم، والذي كانت الدوحة إحدى أذرعته.
تعيش المنطقة الآن -وحتى 3 سنوات قادمة- مرحلة تجميد لمشروع التقسيم، أقول «تجميد» وليس إلغاء أو فشل المشروع، وهذه السنوات الثلاث هي فترة بقاء الرئيس ترمب، إن لم يتم التجديد له لفترة قادمة، وأيضا إن لم تستطع الدولة العميقة في الولايات المتحدة تركيعه، لذلك فهذه السنوات الثلاث القادمة هي الفرصة الذهبية لدول المنطقة جميعا لوأد مشروع التقسيم من جذوره، وقطع الطريق بين الساسة الأميركيين القادمين بعد ترمب، وبين العودة به من جديد.
ففشل الأكراد في الانفصال -رغم نجاح الاستفتاء ورغم قدراتهم المادية والعسكرية- لم يكن ليكون -والعلم عند الله- لو أن رئيس الولايات المتحدة كان «هيلاري كلنتون» وهي أحد المتحمسين لمشروع تقسيم الشرق الأوسط والعاملين عليه، وهي الخصم الذي ما زال يعمل حتى بعد خسارتها الانتخابية لتركيع ترمب، كي يعود إلى مجرى السياسة الأميركية التي توقف عملها هي وأوباما عندها.
وكذلك مقاطعة قطر، لم تكن لتكون لو كان مدير الإدارة في واشنطن أحدا غير ترمب.
فقد عاش حمد بن خليفة مع الإدارات الأميركية السابقة أوهامَ الشريف حسين بن علي مع بريطانيا، حينما أغروه بالثورة ضد الدولة العثمانية، واعدين إيّاه بملك العرب واستغل حينها القوميين العرب لتحقيق طموحاته، ويبدو أن الشيخ حمد في دعمه الإعلامي واللوجستي لمشروع تفتيت السعودية، والفوضى في البلاد العربية، قد تلقى الوعود ذاتها التي تلقاها الشريف من بريطانيا، والفرق بين الرجلين: أن الشريف استخدم القوميين العرب تحت شعار إعادة الخلافة إلى العرب، بينما استخدمت قطر الإسلاميين تحت شعار الدعوة إلى حكم إسلامي ديمقراطي، مع أنها ذاتها مع صغر حجمها لا تتمتع بحكم إسلامي ديمقراطي. فالشريعة -حسب الدستور القطري- مصدر رئيسي لتشريعاتها، وليست المصدر الرئيسي لتشريعاتها، فليست الإسلامية والحرية سوى شعارات لاستنهاض فئة عظمى في المجتمعات العربية في سبيل تحقيق مشروع يعتبر الإسلام والإسلاميين أعظم المستهدفين فيه.
ويعدّ عهد ترمب أيضا زمنا لضمور المشروع الإيراني، لكن إيران لديها الاستعداد لتحمل هذا الضمور، وتزجية الوقت بشتى الوسائل، لاعتقادها أنه مؤقت وسينتهي بانتهاء فترة ترمب أو انتهاء سياسته، وستعود بعده إلى حلفها القذر مع تل أبيب والبيت الأبيض.
وعلى الرغم من ترمب وموقفه منها، فإنها دخلت إلى كركوك في خطوة عملية لإفشال المشروع الكردي الذي تَعْلَم إيران جيدا أن نجاحه يمهد لنجاح أولى مراحل تقسيمها، إذ يقع جانب كبير من الهضبة الكردية داخل إيران، كما لا يخفى على الجميع.
والحقيقة أن إيران هي أيضا أداة أميركية لمشروع التقسيم، وهي تعلم ذلك جيدا، كما تعلم جيدا أيضا أن مشروع التقسيم يشملها، وأن الخرائط المُعَدَّة لتقسيم الشرق الأوسط معلنة جميعها، وتقع إيران ضمنها، لكن تقسيم إيران يقع في مرحلة تالية لتقسيم الدول العربية، وبما أن الأمر كذلك فهي ترى أن تعمل مع مشروع تقسيم الدول العربية وتستفيد منه وتؤسس إمبراطوريتها الصفوية عبره، وأن المهدي المنتظر سيحضر قبل التفات المشروع التقسيمي إليها، وبقيادة المهدي ستقهر أميركا وروسيا، وتصبح سيدة العالم أجمع دون منازع، نعم هم هكذا يفكرون.
تعدّ تركيا -لكونها أحد حلفاء الناتو- من أوائل الدول التي اكتشفت مشروع التقسيم، لكنها فيما أظن اختارت الأسلوب الخاطئ في مقاومة هذا المشروع، وذلك بدعمها المعنوي الثورات العربية، ثم مواجهاتها المسرحية للكيان الصهيوني وروسيا ودول الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، هذه المواجهات التي اضطرت في النهاية للنكوص عن ثلاث منها، فأعادت وبقوة تطبيعها مع الصهاينة وروسيا والولايات المتحدة، والمتوقع أنها ستعود لتلطيف الأجواء مع حلفائها العسكريين في غرب أوروبا.
كما أخطأت في اتخاذها مشروعا انفراديا لحل القضية السورية مع روسيا، وكل ذلك لا يخدم مقاومة مشروع التقسيم.
القضية السورية -في تقديري- في طريقها السريع إلى الحل، لكنه حل ينهي الاحتراب ولا ينهي النزاع السياسي، وستكون سورية بعده عبارة عن عدد من مناطق النفوذ غير السوري، وهو حل مأساوي ومحزن، لكن ربما لا يكون هناك حل أفضل منه.
السعودية هي أكبر المستهدفين في مشروع التقسيم، وبالتالي هي أكبر المستفيدين من فترة رئاسة ترمب، ومن الطبيعي جدا أن تكون من أكثر الدول فهما لهذه المرحلة واستغلالا لها، لكنها تقع في مواجهة عدة تحديات، منها: تحدي الوقت، فثلاث سنوات مدة قصيرة جدا لتفكيك مشروع تم نسج حلقاته منذ عقود، لذلك فعليها العمل بسرعة على قطع جميع الأذرعة العاملة على هذا المشروع: الذراع الإيرانية التي هي الأخطر والأقوى والأشد بروزا وظهورا وصراحة، والذراع الحزبية وهي ذراع خفية لا يعلم أكثر المتعاطفين معها حقيقة مآلاتها، ويمكن تسميتها بالمشروع القطري، إذ كانت قطر وما تزال تُعَدُّ مظلته السياسية وحقيبته المالية، والذراع التكفيرية، وهي ذراع قَطَعَت السعوديةُ في سبيل القضاء عليها أشواطا بعيدة، لكن فرص استنهاضها ما زالت قائمة.
والذراع الحوثية التي كانت تهيئها إيران لغزو السعودية، وإشعال حروب شوارع وعصابات في جنوب المملكة، واندحرت هذه الفكرة بانطلاق عاصفة الحزم.
كما يسهم ضعف الأداء الإعلامي في إساءة فهم المواقف السعودية من القضايا الساخنة، فهو إعلام يعتمد على حشد الأخبار، لكنه لا يُحسن وضع الخبر في السياق الرسالي الذي يستقطب الجماهير، بل العكس هو الحاصل.
المهم، أن سنوات ترمب الثلاث فرصة سياسية قد لا تتكرر، والانطلاق عبرها بقوة ومهارة وحذر مهمة صعبة، لكنها ضرورية، والأخطاء فيها قاتلة، وما النصر الا من عند الله.

د محمد بن إبراهيم السعيدي

التعليقات

ردان على “الواقع السياسي وسنوات ترمب الثلاث”

  1. يقول غير معروف:

    مقال رائع

  2. يقول غير معروف:

    جميل جدا

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.