من جناية الأشعرية على العقل

تكبير الخط تصغير الخط

في معرض القاهرة الدولي للكتاب لاحظ كثير من مرتادي الأقسام الدينية كثرة الكتب المنشورة في نقد المنهج السلفي وربطه بالتكفير والإرهاب والتشدد والبعد عن العقلانية ، وأيضا كثرة الكتب التي تسعى لإحياء الأشعرية من دراسات مؤلفة حديثاً أو إعادة نشر وتحقيق التراث الأشعري الذي شهد في السنوات الأخيرة انحساراً وتراجعاً كبيرين أمام المد الإحيائي للإسلام الصحيح والذي يوصف بمنهج السلف أو السلفية ؛ بل من المُشَاهد في عناوين بعض الكتب ومضامين أخرى محاولة بعض الأشاعرة انتحال وصف السلفية ووصم السلفيين بأنهم أدعياء الانتساب إليها ، وهذا مالم يجرؤ الأشاعرة الأوائل على ادعائه في أكثر المسائل ؛ بل كان منهم من يصفون منهجهم بأنه أعلم وأن منهج السلف أسلم.
والذي أرغب التنبيه إليه في هذا المقال:مع أستبعادي النجاح في إحياء الإشعرية ؛فإنه لو تم ذلك فلن يكون من صالح النهضة الإسلامية عامة والعربية خاصة ؛ ذلك أن المنهج الكلامي بشكل عام والأشعرية خاصة كانا وراء الإنحطاط العقلي والديني والحضاري والذي مُنِيَت به الأمة الإسلامية ؛ وبدأت بوادره من القرن الخامس حتى مطلع العصر الحديث حيث منَّ الله تعالى بانتشار منهج السلف وبدأنا نحس بوادر النهوض على صُعُد شتى لن أطيل في بيانها.
فالأشعرية على عكس زعم أهلها هي تعطيل للعقل وتمكين للخرافة والانحراف ومن بابها أصبحت الخرافة سيدة الموقف في العالم الإسلامي السني قروناً طويلة.
وإليك مثال لذلك : يؤمن أتباع منهج السلف بالقدر على شكلٍ سهلٍ غير معقد يفهمه العالِم والعامِّيُّ على قدرٍ سواء لسهولة تعبيرهم عنه ، فيقولون إن الله تعالى خلق العباد وأفعالَعم ومنحهم القدرة على الاختيار بين فعل الخير والشر ، وعَلِم ما سيكون منهم قبل أن يخلقهم فكتبه عليهم ؛ فليس معنى القدر أنه عز وجل أجبر الناس على المعصية أو الطاعة كما تقول الجبرية فينسبون لله تعالى عما يقولون أنه يعاقب العصاة على مالا يد لهم في تركه ويثيب المطيعين على مالا يد لهم في فعله ؛ ولا أن الإنسان خالق فعل نفسه كما يقول نفاة القدر من المعتزلة ومن سبقهم.
لكن الأشاعرة يضطربون في ذلك اضطراباً شديداً ويوقعهم في تناقضات مشكلة ويلزمهم لوازم شنيعة ، وقد عد الرازي في تفسيره لهم ثلاث مقالات، والحقيقة أنها أكثر من ذلك لكنها عند تمحيصها ومحاولة تفكيك تعقيداتها تؤول جميعاً إلى اعتبار الله تعالى هو الفاعل وليس العبد ؛ وأخْتَار هنا شرح إمام الحرمين أبي المعالي الجويني لهذه العقيدة حين قال في كتابه النظامي ص ٤٤”ليس بِمَدْرك الحق خفاء لمن وُفِّق له، وها نحن نبديه بالحُرية من غير تعريض وتعريج على تقليد، فنقول: قدرة العبد مخلوقة لله تبارك وتعالى باتفاق العالِمين بالصانع، والفعل المقدور بالقدرة الحادثة واقع بها قطعا، ولكنه مضاف إلى الله تبارك وتعالى تقديرا وخلقا، فإن وقع بفعل الله تبارك وتعالى وهو القدرة، وليست القدرة فعلا للعبد، وإنما هي صفته، وهي ملك الله تبارك وتعالى وخلق له، وإذا كان مُوْقِع الفعل خلقاً لله، فالواقع به مضافٌ خَلَقَه الرب خَلْقَاً تبارك وتعالى تقديرا.
وقد مَلَّك الله العبد اختياراً يصرف به القدرة، فإذا أوقع بالقدرة شيئاً آل الواقع إلى حكم الله، من حيث إنه وقع بفعل الله تعالى”
وأمثال هذا الكلام المُعَقَّد في عباراتهم كثير يحاولون به شرح مراد الإمام الأشعري من قوله بالكسب فيقعون في طوام كما قال ابن السبكي”ومن أصحابنا من أخذ يحقق الكسب فوقع في معضل أرب لا قبل له به”[شرح مختصر ابن الحاجب١/ ٤٦٢ والسبكي قائل هذا الكلام يرى أن مسألة الكسب[اسم التفسير الأشعري للقدر] أصعب ما عند الأشاعرة ، ويفر من جميع أقوال أصحابه إلى قول يرى أنه الصواب وهو التسليم دون السؤال عن التفصيل ؛ وأَتْبَاع منهج السلف يُقِرُّون بالتسليم لله في كل شيء لكنهم يثبتون علمهم بحقيقة القدر على الوجه الذي قدمتُه قبل قليل وهو ما يعرفه عامة المسلمين شبابهم وشيبتهم وبناتهم وعجائزهم فضلاً عن علمائهم ؛ممن اكتفوا بالكتاب والسنة ولم يصنعوا صنيع أهل الكلام من ضرب بعضهما ببعض وتحكيم عقولهم المختلفة فيهما قاختلفت عقائدهم تبعاً لاختلاف عقولهم .
ولو أن الأشاعرة كانوا يتبعون العقل حقاً لعلموا أن المتغير لا يصح أن يكون حَاكِماً على الثابت، والعقل متغير بتغير أصحابه والنص ثابت ، وهذه دلالة من القواعد العقلية الصحيحة المشتركة على أن دلالة العقل تكون مع تحكيم النص فيه وليس العكس ؛ وكوننا نفهم النص بعقولنا ليس مبرراً لأن نجعلها حاكمة عليه، لأن العقل الصريح يَفْهم النص وفق قواعد منضبطة بأصول اللغة وأصول الفقه ؛ وحين نزعم أن ما تمليه قواعد اللغة والأصول من الاستنباطات خارج عن العقل فقد قدسنا عقولاً ليس لها ضوابط في فهم ما تسمع واحتقرنا العقل الذي يضع للاستنباط ضوابط تزن الفهم وتوجهه.
رأي الأشاعرة المضطرب في تفسير الكسب عند إمامهم الأشعري لزم منه لوازم سيئة ، وإن كانوا لا يلتزمونها إلا أنها تبقى لازمة لأقوالهم ، والتزامها امتهان للعقل والدين ، وعدم التزامها امتهان للعقل وتعريض للدين للشبهات ؛ فهم في الحالين واقعون في المعضلات التي أشار إليها السبكي ؛ فمن اللوازم السيئة : الجبر ؛ وقد أكد ذلك الرازي وأبان أن حقيقة الكسب هي الجبر وقال في محصل أفكار المتقدمين والمتأخرين ص٢٨٨:”وعند هذا التحقيق يظهر أن الكسب اسم بلا مسمى” والجبر هو ما هربوا منه لكن أوقعهم فيه تنزيل العقل فوق منزلته ، وعدم رد المتشابهات إلى المحكمات ؛ وهم وإن كانوا ينفونه عن أنفسهم إلا أنهم في الواقع العملي وقعوا فيه لاسيما حين وَجَدَ فيهم الفكر الصوفي الغالي بغيته ، فأدى ذلك إلى انسحاب العلماء بدافع من الفكر الاستسلامي الانعزالي عند الصوفية والجبري عند الأشعرية عن الواقع الاجتماعي والسياسي والعسكري مما أثَّر كثيراً في ضعف المسلمين في كل هذه الجوانب خاصة وأن السيادة صارت بفعل الحكام الذين كان القول بالجبر وعزلة العلماء من صالحهم ؛ وكل فترات النهوض القليلة كانت بفضل عدم التزام بعض العلماء وبعض الحكام بالنتيجة السلبية للتلاقح الصوفي الأشعري كما حصل في الفترة القصيرة بين عماد الدين زنكي وصلاح الدين ، والفترة الأقصر في عهدي الظاهر بيبرس والناصر بن قلاوون ؛ وهذه الفترات التي أشرت لها هي عبارة عن انتفاض بسبب توغل الصليبيين والمغول في قلب الدولة الإسلامية ، ثم عاد الوضع بعدهم كما كان لأن المبادئ الفكرية التي كانت سببا للانهزام أمام الصليبيين والمغول ظلت على حالها.
ومن لوازم عقيدة الكسب: أن الله هو الفاعل للطاعات والفاعل للمعاصي ، فهو تعالى عما يقولون يطيع نفسه ويعصي نفسه ؛ وهذا اللازم قال به صراحة غلاة الصوفية من الحلوليين والاتحاديين ، كابن عربي وابن الفارض وابن سبعين والسهروردي المقتول ؛ وهؤلاء هم غلاة أهل الخرافة ؛ وهنا لا أقول إن الأشاعرة قائلون بهذه العقائد الخبيثة-وإن كان منهم من يقول بها ؛لكن مما أقطع به أن تفسيراتهم للكسب كانت مدخلاً لاعتناق هذه الكفريات وإشاعتها بين المسلمين ، حتى أصبحت الدروشة والجذب سمة عامة للمسلمين ولازالت بقاياها موجودة في أولائك الذين يزعمون الذكر بالرقص والدوران لينتقلوا بذلك إلى عالم الحقيقة وهو الذوبان في ذات الله بزعمهم ؛ونرى من هؤلاء المتصوفة في عصرنا من يسعى لنشر هذه البدع وإظهارها ؛منهم من يفعل ذلك عناداً للسلفية ولا يعرف حقيقتها ، ومنهم من يعرف حقيقتها وقد تحكمت الخرافة من قلبه وعقله .
ولا يشك منصف : أن هذه الخرافات وغيرها والتي كانت تجد لها مستنداً في عقائد الأشاعرة كانت هي المهيمنة على العالم الإسلامي حتى أنقذ الله أكثر المسلمين منها بسبب انتشار الرؤية السلفية للعقيدة والشريعة والحياة ، الجامعةِ بين صحيح المنقول وصريح المعقول ؛وكان ذلك مع ظهور هذه الدولة السعودية السعيدة بأطوارها الثلاث والتي هي ثمرة الانبعاث الإسلامي الذي نادت به دعوة الإمام المجدد محمد بن عبدالوهاب والإمام المؤسس محمد بن سعود .

د محمد السعيدي

التعليقات

ردان على “من جناية الأشعرية على العقل”

  1. يقول فوزان الفوزان أبو معاذ:

    جزاكم الله خيرا شيخنا على هذا التنبيه الذي أستند للأدلة الشرعية والعقلية ولامس الواقع الذي تعيشه الأمة الإسلامية فالأمة بدون عقيدة السلف الصالح لن يحالفها العز والتمكين .

  2. يقول متابع:

    سلمت أناملك واصل يا شيخنا ..نسعد بكل حرف تخطه يدك ….
    جزاك الله خيرا

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.