ثورة سوريا والتنازع وذهاب الريح

تكبير الخط تصغير الخط

قبيل منتصف الليل من السبت الماضي صوَّت مجلس الأمن على قرار هدنة لمدة ثلاثين يوماً في جميع أنحاء سوريا وذلك عقب العدوان المجرم على قرى الغوطة وبلداتها من جهة قوات الأسد مدعومة بالقرار والجيش الروسيين ؛ وبالرغم من أن قرار الهدنة أقل من الحدث بكثير ، وأن صدوره تم بعد عدد من التأجيلات بسبب تهديد روسيا بالفيتو ، إلا أن الرد الفوري من النظام جاء على شكل غارات جوية استهدفت بلدات الغوطة ذهب ضحيتها أطفال وشيوخ.
العجيب في عالم اليوم الذي تَغَنَّى أكثر من أي عصر مضى في التاريخ بالإنسان وحقوقه :أنه لا يتألم من أجل الإنسان إلا في الوقت الذي يشاء أن يتألم فيه ،وليس في الوقت الذي يحدث فيه ما يوجب الألم ؛ وإلا فإن الغوطة لم تكن أول مكان خلال السبع سنوات الماضية يتعرض لحملات القصف والعدوان من جانب النظام السوري والجيش الروسي الغازي والميليشيات الإيرانية المجرمة ، وليست مأساة مدينة القصير التي دمرها حزب الشيطان اللبناني الخاضع لإيران بعيدة عن الأذهان والتي لم يحرك لأجلها مجلس الأمن أصبعاً ؛ فضلاً عما حصل من الجرائم البشعة في حلب وحمص وحماة وإدلب وتدمر ودرعا وهلم جرا.
فالعالم يتألم متى شاء وبالطريقة التي يريد ؛ وإلا فإن الغوطة نفسها ليست هذه أول مرة تشهد فيها المآسي العظام من عدوان النظام وحليفيه الميليشيات الإيرانية والغزاة الروس؛ فإن أول استخدام للمواد الكيميائة المحظورة دولياً كان على مدن وقرى الغوطة عام ١٤٣٤هـ بشكل مكثف وغير طبيعي ؛ ولم يتألم العالم آنذاك بالرغم من تهديد أوباما ذلك التاريخ بأن الرد الأمريكي سيكون غير متوقع لو استخدم الأسد السلاح الكيميائي ؛ وفعل الأسد ذلك ، فماذا فعل أوباما؟!أجاب بعض المعلقين حينها بأن أوباما كان صادقاً ، لأن الصمت التام وترك الحبل على الغارب لإيران في سوريا هو الرد الذي لم يكن متوقعا من الولايات المتحدة.
هذا التواني من العالم وعدم الصدق والجدية في الالتفات للقضية السورية هي ما جعلت السعودية تحتح عليه في شكل اعتذارها عن عضوية مجلس الأمن سنة ١٤٣٤هـ.
المهم أن العالم في النهاية وبعد خمس سنوات من استخدام الكيماوي في الغوطة تألم وأنتجت آلامه هدنة غالباً ما سيكون المستفيد منها هو النظام الأسدي ومن حوله ؛ لأن فترة الثلاثين يوما ستكون فرصة للأهالي ليتجهوا لمزيد من الهجرة التي لازالت منذ سبع سنوات بالرغم مما فيها من آلام هي أفضل طريق للنجاة ؛ خاصة وأن قرار الهدنة لا يحدثنا عما سيكون بعدها ؛ فعودة القصف والقتل هي الظرف المتوقع بعد الثلاثين يوماً ،إن لم تفشل الأطراف في تنفيذها ، لذلك فالهجرة مع الأسف لازالتط الخيار الآمن للمواطن السوري حتى اليوم ؛ وأي شئ تريده إيران ويريده الكيان الصهيوني أفضل من إفراغ الشام من أهلها ، ومن ثَمٌَ إحلال شيعة الأفغان والإيرانيين محلهم ؛ في أقذر عملية توطين تأتي بعد توطين اليهود مكان اللاجيئين الفلسطينيين بعد عام ١٣٦٨هـ.

لقد ظلت سوريا أكثر من عام من بداية ثورتها تعيش آحلام النصر على هذا النظام الطائفي؛ وكانت جميع المؤشرات تتجه نحو ذلك ؛فالثوار وإن لم يكونوا متحدين فليسوا بعيدين عن بعضهم بسبب اتفاقهم على أن الهدف الرئيس من الثورة:إزالة النظام ، وإقامة حكومة عادلة دون الدخول في جدال حول تفاصيلها ومنطلقاتها الفكرية ؛وكان كل فصيل يحتفظ لنفسه برؤيته لما بعد الثورة ، أو يناقشها مع قواعده ونظرائه دون أن يجعلها أولية تستحق النزاع .
وبهذه الروح استطاعوا تحرير ما يمكن أن يُقَدَّر بثلثي مساحة سوريا.
إلا أن انفلات الدعم المالي وعدمَ تقنينه ،وخلوَّه من جهة إشرافية ذاتِ خبرةٍ ، مكَّنَت كثيراً من الداعمين من تأسيس فصائل تتوافق مع اتجاهاتهم الفكرية المتصارعة الأمر الذي أثَّر مباشرة على الوضع في الداخل ؛ حيث اختلفت أولويات الثائرين ، ولم تعد أبعاد الثوار لدى كثير من الفصائل داخلية من عند أنفسهم ؛ بل تَدَخٌَلَ فيها مصادر الدعم؛ فبعد أن كانت الأولوية إزالة النظام وتأسيس نظام عادل ؛ أصبح البعض يفرض نفسه كَخَلَفٍ قسري ، والبعض يفرض نفسه كدولة عالمية جديدة ، والبعض ينادي بنظام ديمقراطي علماني ، وأخرون أسسوا فصائل ذات أسماء كبيرة يَسْتَجْدُون بها الدعم من الخارج ، أو يقطعون بها طريق المارة ، أو يعملون مع من يدفع لهم من الفصائل الأخرى .
ولَم يكن كل الداعمين من مناصري الثورة ، بل كان منهم مخابرات دولية عملت على تأسيس بعض القوى التي تنتحل الجهاد والتكفير كي تجعل الثورة تطحن نفسها ؛ وهناك للأسف داعمون صادقون في مناصرة الثورة لكنهم أغبياء وأغبياء جداً ؛ وكثيراً ما كان الصادق الغبي أشد نكاية في الأمة وأعظم أَذًى من العدو الماكر .
هذه قصة مختصرة لفوضى الاحتراب التي تعيشها سوريا وهي في الجملة قلَّ من يجهلها ، أما التفاصيل فأشنع من أن نصدِّقها .
الغوطة الشرقية هي أقرب مناطق سيطرة الثوار إلى دمشق ومع ذلك استطاعت أن تحقق الانفصال عن النظام في وقت مبكّر من الثورة ؛لذا قام النظام بمحاصرتها على أمل اجتياحها ، لكنها بقيت حتى الْيَوْمَ مستعصية عليه ؛وكانت مدينتها دوما مقراً لقيادة جيش الإسلام بقيادة الشيخ زهران بن عبدالله علوش رحمه الله؛ وبعد دخول القاعدة ثم داعش والفصائل المتأثرة بالفكر التكفيري حلبة الثورة السورية ، اشتد الحصار على الغوطة من قِبَل النظام ومع ذلك لم تحاول الفصائل على اختلافها فك الحصار عنها ، بأعذار متعددة منها ما يمكن قبوله .ومنها ما لا يمكن ؛ لكن العذر الصادم هو زعم بعض الفصائل كفر جيش الإسلام ،وأن علوش موالٍ للسعودية وبذلك يكون خارجاً عن الملة ، أو مداهن للطواغيت وهو بأحد هذين الاعتباريين أو بكليهما لا يستحق المساعدة بل يجب أن تُنزع الغوطة منه ويُقَاتل كما يُقاتَل النظام .
وسُئل مرةً المطلوب عبدالله المحيسني عن جيش الإسلام فأشار بأن مما يأخذه عليهم “تلقيهم الدعم من مخابرات دولة طغيان”أو عبارة هذا نحوها ، ويقصد بها السعودية ؛ مع أن علوشاً أو غيره من قادة جيش الإسلام لم يزعموا يوماً تلقيهم الدعم من المملكة ولا أي جهة خارجية، ولم تدَّع السعودية ذلك؛ وحقيقة المشكلة بين جيش الإسلام وكثير من الفصائل التكفيرية أو المتأثرة بالفكر التكفيري هي كوّن قائد الجيش رحمه الله من العلماء الذين تخرجوا في المملكة العربية السعودية ودرسوا على علمائها كالشيخ ابن عثيمين رحمه الله ،فكان زهران يبتعد بمن معه عن المنهج التكفيري ويحذر أتباعه منه أيما تحذير ؛ ويصفه بعض خصومه بالإرجاء بينما يكفره الآخرون،
ومنطقياً كان من المفترض على الفصائل التكفيرية أن تترك الغوطة وشأنها بما أنها مُحَرَّرة من يد النظام؛ لكن تكفيرهم لجيش الإسلام ، وحقدهم على السعودية التي يزعمون ارتباط جيش الإسلام بها جعلهم يرسلون بعض المنتسبين إلى النصرة ليشغبوا داخل الغوطة ، ولَم يكن هؤلاء من الكثرة والقدرة بحيث يجرؤون على مناوأة جيش الإسلام ؛ إلا أنه بعد استشهاد الشيخ زهران [كما نحسبه إن شاء الله] قامت فتح الشام [النصرة سابقاً] والتي لم تسع يوما لفك الحصار عن الغوطة بإرسال بعض فصائلها من درعا ومناطق أخرى لتزاحم جيش الإسلام في مناطق نفوذه وتشتبك معه بدلاً من الاشتراك معه في قتال النظام؛ وقد كان اختراق هذه الفصائل لحصار النظام وتسللها إلى داخل الغوطة بالرغم من شدة التحصينات أمراً مثيراً للشك ؛ وهي حوادث تؤكد ما كنّا نؤكده ويؤكده كبار العارفين بالشأن السوري من ارتباط قرارات الفصائل التكفيرية دون استثناء بجهات لا تريد للشعب السوري ولا لثورته خيراً ومنها النظام نفسه؛ وسوف ينكشف أمرها بشكل أكثر جلاء مع مرور الأيام إن شاء الله ، لكن الأكثر مرارة أن الحقائق المرة لا تنكشف مبكراً إلا لذوي الحلم والأناة وبعد أن يسقط الغوغاء الذين لا يقيمون للحلماء وزناً في أتونها .

هذا المشهد الذي قَدَّمتُه يعطيك جزءًا من الصورة التي حالت بين الثوار السوريين وبين النصر فالأمر كما قال تعالى( قل هو من عند أنفسكم)فحتى المحاولات المتكررة التي بذلتها المملكة لجمع كلمة الفصائل انتهت بالفشل ؛ بل انتهت بإصدار الفصائل التكفيرية أحكام الكفر على المشاركين في اللقاءات السعودية ، وكذلك فعلوا مع المشاركين في جنيف وأستانة .

د محمد بن إبراهيم السعيدي

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.