وللفقه السياسي أصول

تكبير الخط تصغير الخط

العلاقة الصحيحة للإسلام بالسياسة هي أن يكون محركاً لها وحاكماً عليها ، بمعنى أن يكون السياسي ينطلق في قراراته وتوجهاته وأعماله وعلاقاته من النصوص الشرعية ، وأن تكون هذه النصوص المصدر الأول لتقييم جميع تحركاته .

وحين يكون تحركه لجلب مصلحة فيجب أن تكون المصلحة معتبرة شرعاً، بطريق النص أو المناسبة ؛ والمناسبةُ كما يُعَرِّفُها علماء الأصول:”وصفٌ ظاهر منضبط ، يحصل من ترتيب الحكم عليه ما يصلح أن يكون مقصوداً للشارع من جلب منفعة أو دفع مفسدة” وهذا التعريف يعني :أن المصلحة التي يجب أن يتوخاها السياسي في تحركاته إن لم تكن منصوصا ً عليها بذاتها كمصلحة العدل الواردة في قوله تعالى :(وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل) إن لم تكن كذلك فيجب أن تكون وصفاً ظاهراً للعيان وليس خفياً لا يستطيع اكتشافه إلا آحاد الناس ،ومنضبطاً بحيث لا يتخلف أبداً او غالباً ؛ وهذا الوصف الظاهر المنضبط إذا رتبنا الحكم الشرعي عليه نتج عندنا ما نقطع بكونه من مرادات الشرع وإن لم يكن هناك نص مباشر عليه؛ ويصلح التمثيل له بوصف الإسهام في القضاء على البطالة في حال الاستثمار الأجنبي في دولة مسلمة ؛فتخفيف البطالة أو القضاء عليها وصف يدركه كل أحد ، ولا يتخلف غالباً عند وجود سببه ؛ ويصلح أن يكون مقصوداً للشارع لما فيه من إشاعة العمل ورفع الحاجة عن الناس .
ولا يوجد نص يجيز أو يمنع الاستثمار الأجنبي ، فكانت المناسبة دليلاً شرعياً على صحة إقراره.
ولا يجوز أن تكون المصلحة التي يتوخاها السياسي من المصالح الملغاة سواء أكان الإلغاء عائداً لذات المصلحة كتبرج النساء ،فهو وإن تَوَهَّم متوهم كونَه مصلحة فهي ملغاة بذاتها بقوله تعالى ﴿ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى﴾ [الأحزاب: ٣٣]أم كان عائداً إلى أصلها ، كالمكوس فإنها وإن بدت في الظاهر مصلحةً إلا أن أصلها محرم وهو أكل أموال الناس بالباطل ﴿ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل وتدلوا بها إلى الحكام لتأكلوا فريقا من أموال الناس بالإثم وأنتم تعلمون﴾ [البقرة: ١٨٨].
فإن لم يظهر من الشارع اعتبار تلك المصلحة ولا إلغاؤها وهو ما يُسمى بالمصلحة المرسلة، فهل يجوز للسياسي إقرارها؟
هذا محل خلاف عند أهل العلم مَوْضِعُه في كتب الأصول في باب الأدلة المختلف فيها ، فمنهم من يجيز ذلك ومنهم من يمنعه ؛ومحل النزاع في حقيقة وجود مصلحة مرسلة في الكون أم لا ؟ والصواب : أنه لا يوجد في الكون مصلحة لم يعتبرها الشارع ولم يلغها ، فكل المصالح في الدنيا ،إما أن يكون الشارع اعتبر عينها أو أصلها ، أو ألغى عينها أو أصلها ؛لكنها قد تظهر للمجتهد وقد تخفى ، أَمَّا أن يكون الشارع قد ترك مصلحة مهملةً دون اعتبار أو إلغاء فأمر ممنوع لقوله تعالى﴿ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين﴾ [النحل: ٨٩]وغير ذلك من الأدلة التي تُظْهِر بيان الشريعة لكل شئ .
وإذا كان اجتلاب المصلحة لا يصاحبه مفسدة أصلاً ، فالعمل لجلب المصلحة صحيح ،سواء أكانت قطعية أم ظنية أم موهومة، وهي التي جودها محتمل احتمالاً مرجوحا كتأليف أو احتواء بعضِ من الأصل فيهم العداوة من غير المسلمين أو المبتدعين المناوئين لوجود مصلحة محتملة احتمالاً مرجوحاً كإمكان اختراق صفوف العدو أو تشتيتهم من خلالهم ، لأن هذا الأمر إن نجح ربحنا ، وإن لم ينجح لم نخسر كثيراً .
أما إذا كان جلب المصلحة يترتب عليه جلب مفسدة أيضا ، فلا بد أن تكون المصلحة راجحة والمفسدة مرجوحة ، وهذه المفسدة المرجوحة لابد من ترتيب ما يدرؤها ؛ وقد يصح التمثيل لها بعقد العلاقات مع الدول غير المسلمة ذات القوة ،والتي تشتهر بمواقف غير محمودة من بعض قضايا المسلمين كما هو اليوم حال روسيا والولايات المتحدة والصين وبريطانيا وفرنسا ، فمثل هذه العلاقات معهن لها مفاسد، كتسرب بعض قِيَم تلك الديار إلينا ، وكتَوَهُم البعض من أبنائنا وأبناء المسلمين خضوع السياسي لهم وأئتماره بأمرهم ؛ وهي مفاسد يمكن علاجها بطُرق أخَر مع البقاء على دعم تلك العلاقات لغلبة مصالحها ، كدرء مزيد من الشر عنا وعن المسلمين والاستعانة بهم لدفع بعضهم ببعض وغير ذلك من المصالح التي هي بمجموعها أعظم بكثير من مجموع المفاسد المحتملة والتي يمكن دفعها بوسائل أخر .
أما إذا كانت المفسدة راجحة والمصلحة مرجوحة فعمل السياسي لجلب المصلحة المرجوحة يكون خطأً حين ذاك ؛ ومثاله إقرار بعض الدول للملاهي الليلية ،وتوطين بعض وسائل الانحراف الديني والأخلاقي لتوفير الأعمال وحماية المال من التسرب خارج البلاد.
ولاشك أن هذه المصلحة مرجوحة في مقابل تلك المفسدة .
ومثال آخر عمت البلوى به وهو تعريض المسلمين للقتل والتشريد واستباحة الأعداء لديارهم من أجل الثورة على حاكم ظالم أو من أجل إقامة دولة تحكم بالشريعة ؛ فمصلحة إسقاط الحاكم الظالم أو إقامة دولة الشريعة مصلحة مرجوحة حين يكون طريقها جثث وأعراض وديار المسلمين والمسلمات .

أما حين يكون تحرك السياسي لدرء مفسدة ؛ فالمفسدة إما أن تدرأ بمصلحة ظاهرة تقضي عليها ، كمفسدة الفساد في أجهزة الدولة المالية والإدارية فيُقْضَى عليها بمصلحة حبس المفسدين ومحاكمتهم وتغريمهم .
أما إن كانت المفسدة لا تدرأ إلا بمفسدة أقل ، فالعمل بدفع مفسدة بمفسدة أخرى أخف،عمل صحيح ،بشرط عدم استدامة المفسدة الدافعة ، ومثاله دفع العدو الصائل بالعدو المهادن ، كما حصل من دفع صيال صدام حسين بالقوات الأمريكية ، وكما يحصل اليوم من السعي العملي لدفع صيال إيران بإعادة التحالف مع الولايات المتحدة .

ومن السياسة الشرعية أن تُقَدِّر الدولة الإسلامية حجمها الصحيح وقدراتها الموجودة فلا تتكلم أو تعمل إلا في حدودها ؛ لأنها إن تحدثت أو فعلت فوق ما في طاقتها انتهى بها الأمر إلى السقوط والانهيار ؛ كما فعل صدام حسين حين تحدى الشرق والغرب وأوهم شعبه وكثيراً من العرب والمسلمين أنه قادر على تحدي كل تلك القوى فلم يكن منه إلا أن أضاع بلاده ونفسه وجعلها مسرحا لأعدائها .
فكلام السياسي ووعده ووعيده وسائر أفعاله وخططه التنموية والعسكرية لا ينبغي أن تزيد عن قدر ما عنده من قوة وبسطة واستطاعة ؛ لأنه إن تجاوز ذلك كان كمن وصفهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله(المتشبع بما لم يعط كلابس ثوبي زور) وأورد نفسه وبلاده المهالك باستكثار الأعداء وقد قال تعالى ﴿وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة وأحسنوا إن الله يحب المحسنين﴾ [البقرة: ١٩٥] فوضع السياسي نفسه وشعبه ودولته في موضع لا تحتمله قدراته هو بلا شك من أعظم الإلقاء باليد إلى التهلكة.
ومدى حفظ القرار الذي يتخذه السياسي للكليات الخمس بدرجاتها الثلاث ، الضروري والحاجي والتحسيني ، هو الميزان الذي توزن به المصالح والمفاسد ، فما كان من الأفعال التي تُعْرَض على الحاكم أكثر حفظا للضرورات والحاجات والتحسينات في هذه الكليات الخمس[ الدين والنفس والعقل والنسل والمال]فهو المصلحة وما كان أكثر إتلافاً لها فهو المفسدة .
واعتبار هذه الكليات مهم أيضا لمعرفة أوان تطبيق النصوص الشرعية التفصيلية وأوان العذر الشرعي الذي يحول دون تطبيقها ؛ فالجهاد مثلاً ثابت بنص شرعي قطعي الدلالة والثبوت ، لكنْ إذا كان إعلانه يحقق القدر الأكبر من هذه الكليات فهذا وقته وزمانه ، أما إذا كان إعلانه يهدد هذه الكليات فإعلانه حينها يكون محرما لأنه لم يُتَحَرَّ وقتُه ومكانُه .

وحين نريد أن نَزِنَ عمل السياسي ونقدم تقييماً شرعياً له فينبغي أن يكون ذلك من خلال القواعد الأصولية التي تقدم في هذا المقال قليل منها ، مع مراعاة أن من هم خارج دائرة السلطة تخفى عنهم كثير من الحقائق التي تعينهم على فهم واقع المصالح والمفاسد كما يفهمها من هم في أعلى هرم السلطة ؛ لذلك نجد أحزاب المعارضة وحكومات الظل في البلاد الديمقراطية يعيبون على الحكومات أموراً ثم يتبنونها وهم في السلطة وذلك لأنهم كانوا ينتقدونها من خارج الدائرة .
وهذا الاعتبار يجعل الحكم على السياسي أكثر عدلاً وأبعد عن الجنف .

د محمد بن إبراهيم السعيدي

التعليقات

ردان على “وللفقه السياسي أصول”

  1. يقول غير معروف:

    جزيت خيرا …مقال مفيد

  2. يقول القارء مطلق العتيبي:

    ماشاء الله على كلامك يا دكتور محمد
    نفتقد من مشايخنا ودعاتنا من هم مثلك خص في مثل هذا الكلام في هذا الوقت بالتحديد

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.