الموقف في مواجهة التشويه السياسي

تكبير الخط تصغير الخط
عمليات التشويه السياسي الممنهجة ليست مشاعر حقد وحسد وبغض يصبها الآخرون على مؤسسة أو دولة ما ليعبروا عما بدواخلهم نحوها ؛ لو كانت كذلك وحسب لهان أمرها ولكان من المروءة وحفظِ مقام النفس أن يترفع الكاتب عنها خاصة حين يكون ذا وجاهة علمية أو اجتماعية.
لكنها تحركات ضمن خطط ممنهجة تبدأ بالتشويه الذي يسيء إلى صورة الجهة المستهدفة بقصد قطع التعاطف الخارجي معها ، ثم تفكيكها من الداخل عبر توهين بنيتها وتماسكها ،وزعزعة علاقة مكوناتها ببعضها ؛ الأمر الذي يجعل من الواجب على الجميع الوقوف في وجه هذه التحركات للحيلولة بينها وبين أهدافها.
فهذا واجب شرعي ومسؤولية مجتمعية يحتمها أن مآلات تلك المشاريع مالم يتم الوقوف في وجهها ستكون مفاسدَ غير معلومة النهايات على الدِّين والنفس والعرض والمال والعقل ؛ لذلك لا ينساق العاقل وهو يقف في مواجهتها إلى ما قد تتضمنه من الحقائق ، فأصحاب الدعايات الممنهجة كما يكذبون ويزورون الواقع والتاريخ من أجل أهدافهم ، فكذلك ربما بنوا دعاياتهم التشويهية على أخطاء موجودة في واقع الجهة المستهدفَة ليستطيعوا جذب اصطفافٍ غيرِ مقصود من بعض الفئات المنتمية للجهة المستهدفة والتي قد تكون مستاءة أو متضررة من هذه الأخطاء ، وبهذه الطريقه يتغلغلون في نسيج الخصم ليتآكل من داخله .
 
أضرب مثالاً لذلك بالدولة العثمانية التي يحلو للبعض النحيب عليها مع أنها دولة بكل ما فيها من الشر والخير أخذت حظها من التاريخ [ستة قرون] وسقطت بسنن الله الكونية التي لا تحابي أحداً .
هذه الدولة كانت الدعاية الخارجية والانجذاب نحو تلك الدعاية من الداخل أحد أسباب سقوطها ؛ ففي حين كان السلطان عبد الحميد رحمه الله يحاول إصلاح أخطاء أجداده ، وخاصة السلاطين أحمد الثالث ومحمود الأول ومحمود الثاني الذين كانوا هم أيضا من السلاطين الأقوياء وقادة الإصلاح؛ لكنهم وجهوا أنظارهم إلى الغرب وتبنوا على التوالي حركة التغريب في الأنظمة والقوانين وشرعوا تدريجياً في استبعاد الشريعة الإسلامية من النظام العثماني وإحلال القوانين الأوربية ، وطال ذلك الجيشَ والنظام التجاري والسياسي والاجتماعي والقضائي، وحاربوا كل الحركات التصحيحية للدين ومن ذلك القضاء المؤقت على حركة الإصلاح الديني في الدولة السعودية الأولى[ينظر بحث المؤرخ التركي أ د محمد عاكف آيدن : النظم القانونية في الدولة العثمانية]؛ لكن الدولة لم تستفد من هذا التغريب إلا ضعفاً وزيادةً في إنماط الفساد وتنوعها.
وجاء عصر عبدالحميد وحالُ الدولة عبارة عن مستعمرة أوربية تحت سيادة عثمانية ، مدينة بأكثر من ملياري ليرة عثمانية للغرب ؛ وسعى السلطان للفكاك من هذا الأسر المتعدد الاتجاهات فقام بالعديد من الإصلاحات ؛ إلا أن الدعاية المضادة التي كانت في الحقيقة تريد رأس الدولة شنت هجومها من الداخل والخارج ومن مختلف التوجهات في تشويه كل معالم ذلك الإصلاح ، وفي أحيان كثيرة مستغلة الأخطاء التي وقعت فيها الدولة في أثناء مشروعها الإصلاحي لترويج دعايتها التي انتهت إلى كراهية كبيرة في المجتمعات العثمانية لاسيما النخبوية للسلطان الذي كان يريد إعادة قوتهم وتماسكهم ؛ وانتهى كل ذلك بتغول القوى التغريبية التي أسقطت السلطان عبد الحميد عام ١٣٢٧هـ ثم أسقطت الدولة بأسرها عام١٣٤٠هـ وكانت قبل تمكنها :ترفع لواء محبتها والحرص عليها.
 
والأمثلة في تاريخ الدول المعاصرة كثيرة تؤكد أن معظم الدعايات ضد دولة ما تكون غالباً جزءًا من مشروع إسقاط لتلك الدولة ؛ لذلك فإن الواجب الإعلامي والثقافي في مجابهة الحملات الدعائية يضاهي الواجب العسكري إذ إن كلاً منهما يعمل على حماية البلاد من الويلات والشرور والعاهات التي تنتظرها حال نجاح ذلك المشروع ؛ وحتى لو كانت تلك الدولة المستهدفة غير مَرْضِيَّة في بعض توجهاتها فإن صاحب البصيرة ينظر إلى العواقب والمآلات ليعلم أن إسقاط الدول في الغالب لايسفر إلا عن نتائج في غاية القتامة والسوء ، وإن أفضل وأقرب طرق الإصلاح السياسي للجدوى:إعادة البناء وليس الهدم ، حتى لو قيل إن ذلك الهدم إنما هو من إجل البناء .
وكثيراً ما يتم الخلط بين حرية التعبير والنقد البَنَّاء وبين الحملات الموجهة التي غايتها الإسقاط .
فحرية التعبير ينبغي أن تكون مصونة إلا حين تستهدف وجود الأمة ، والنقدُ بقصد التقويم لن يكون كذلك ما لم يستند إلى علم وعدل ؛ فإذا افتقر إلى أحدهما كان ضرباً من ضروب الفوضى.
والحملات الموجهة الضارة بالدولة والأمة تتخذ من الحرية والنقد البناء قناعاً يستر حقائقها ،من أجل إشاعة الكذب وتمكين الأحقاد وزرغ بذور الشقاق .
 
والدولة التي تنعم مؤسساتها بوعي للمخاطر وفطانة في استشراف المستقبل وقوة في اتخاذ القرار تنتهج في مواجهة الحملات الدعائية نهج صاحب البستان حينما تنحدر إليه الشعاب من كل اتجاه ، فهو قبل أن تنحدر السيول عالم بمكافئها ومسالكها ،لذلك تجده قد رفع حوائطه وقَوَّى أركانها ، فإذاما أحاطت به استرشد بها سريعاً إلى مواضع الضعف والخلل في حائطه وبادر بردمها والسيلُ على أشده ،لأنه لو انتظر رحيل السيل حتى يعالج حائطه لربما كسرته السيول فجأة ولم تُنظره حتى يعالجها في وقت فراغه وراحته ، كما أن للبستاني نظرة يعرف بها السيل ،فإذا كان مما لا تُستطاع مُنَاحاتُه فَجَّرَ له في داخل مغرسه درباً حتى لا يتكئ على جدار حائطه فيرديه ، ولا بد له أن يُحسِنَ تقدير حجم هذا الدرب الذي يتخذه طريقاً للسيل في داخل مزرعته ، لأنه إن جعل هذا الطريق أقل مما ينبغي كسر السيلُ جدارَه وكان ذلك الثقب الذي اتخذه وبالاً عليه ، وإن عظم هذا الدرب أغرق زرعه وأفسد حائطه .
فهذا البستاني الحاذق مثال مصغر لما ينبغي أن يكون عليه قادة الدول وساستها في مواجهة موجات التطفيف والدعاية والإرجاف كي لا يكون سيلها وبيلاً عليهم وعلى بلدانهم ومن استرعاهم الله عليه .
لأن مواجهة الأراجيف بالنفي والثناء على النفس وإبراز المحاسن أمر مجرب وجدواه مما لا شك فيها ، لكن دعايات الكذابين يكون لها في بعض الحالات أصل كخبر الشيطان الذي يبني عليه الكاهن مائة كذبة فما لم يُعْمَد إلى البؤرة التي غرس فيها المُغرضون شجرة أكاذيبهم فتدفن فإنه سيظل لهؤلاء الأعداء مقالاً ولمقالهم آذانا .
د.محمد بن إبراهيم السعيدي

التعليقات

رد واحد على “الموقف في مواجهة التشويه السياسي”

  1. يقول طارق الفياض:

    بوركت يادكتور محمد
    مقال في الصميم
    المقدمة والمحتوى
    بما فيه تشخيص الواقع
    ثم طرح الحلول وخاتمة جامعة
    نفع الله بك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.