السعودية والحضارة الغربية ٢

تكبير الخط تصغير الخط

شهد عام ١٣٤٤هجرية الفراغَ من توحيد كامل أقاليم المملكة العربية السعودية تحت مسمى المملكة الحجازية النجدية وملحقاتها؛ وفي ١٧/ ٥/ ١٣٥١هـ صدر الأمر الملكي بتوحيد هذه الأقاليم تحت مسمى المملكة العربية السعودية بناء على عدد من البرقيات وردت إلى الملك عبدالعزيز من سائر أقاليم البلاد اشتهر منها تلك البرقية المطولة والصادرة من عدد من أعيان مكة وجدة والطائف إثر اجتماعهم في مدينة الطائف بتاريخ ١٢/ ٥/ ١٣٥١هـ .

لم يخضع الملك عبدالعزيز رحمه الله في سبيل هذا الإنجاز لأي ابتزازات غربية ولم يقدم أي تنازلات عن دينه ومبادئه التي جعلها أساس بنيان دولته طيلة فترة التأسيس الممتدة من عام١٣١٩هـ حتى الإعلان الرسمي لاسم الدولة .

وقد حاول الكثيرون من المناوئين للسعودية  ولا زالوا يحاولون إلصاق تهمة تكوينها بناء على إرادةٍ بريطانية مقابل تنازلات أو خدمات قدمها المؤسس للاستعمار ، لكن الجميع فشل في إظهار أي دليل على ذلك من أحداث التاريخ أو الوثائق الصحيحة المحفوظة في أي دولة من دول العالم ؛ مما جعل بعضهم لا يجد مناصاً لإيهام الناس بمزاعمه سوى الكذب والإفك بأن الملك عبدالعزيز أرسل ابنه فيصلاً لحضور مؤتمر باريس للسلام [١٥/ ٤/ ١٣٣٧]والتنازل هناك عن فلسطين في اتفاق مع حاييم وايزمان رئيس المنظمة الصهيونية مستغلين تشابه الأسماء بين الأمير فيصل بن عبدالعزيز والأمير آنذاك فيصل بن الحسين الذي كان هو الحاضر فعلاً في ذلك المؤتمر ممثلاً لوالده ،والوثائق الإصلية والصور الفوتغرافية والمتحركة كلها تثبت ذلك ؛ كما حاول هؤلاء المناهضون الزعم للجهلاء أن المملكة العربية السعودية إحدى ثمار اتفاقية سايكس بيكو ؛مع أن هذه الاتفاقية لا تمت بأي صلة لتاريخ السعودية إذ هو اتفاق بين فرنسا وبريطانيا على تقاسم الشام والعراق ولم يتطرق بفقرة واحدة أو جزء من الفقرة للأراضي التابعة للملك عبد العزيز الذي رسم خريطة بلاده بجهده وجهود رجاله من أبناء هذه البلاد ، الأمر الذي جعل بريطانيا بعد معاهدة سايكس بيكو بثمان سنوات تتفاوض معه مباشرة حول الحدود بين بلاده ومحميتيها آنذاك الكويت والعراق في مؤتمر العقير الذي نتجت عنه اتفاقية العقير الحدودية عام ١٣٤١هـ ، والتي وقف فيها عبدالعزيز من بريطانيا موقف الند وطالبها بتسليمه الشاطئ الغربي لنهر الفرات  وحلب ونهر العاصي لتكون تلك هي حدوده الشمالية ، واستمر  النقاش قويا لمدة سبعة أيام بينه وبين المعتمد البريطاني في الخليج بيرسي كوكس وانتهى بما يقترب من الحدود الحالية وهو ما كان يقصده عبدالعزيز من مطالباته العميقة في داخل العراق والشام.

النتيجة: أن عبدالعزيز حال بين أراضيه وبين الوقوع تحت الاحتلال أو الانتداب من أي دولة من الدول ، كما استطاع صناعة دولة من العدم في تلك المناطق الشاسعة ، وتوحيد العديد من الإمارات والدويلات بين الخليج والبحر وبين الشام واليمن ،تحت رايته، لم تكن عرفت الوحدة منذ زمن سحيق إلا في عهده وعهد آبائه من قبله .

ثم لا تزال الأحقاد تملي على المناوئين للسعودية تصورات خرقاء بأن بريطانيا هي وراء تأسيس هذه المملكة ؛ ثم حين تسألهم عن مصلحة بريطانيا- لو كان قولهم حقا_ من جمع كلمة أهل جزيرة العرب بعد أن كانوا  مجموعات يصعب حصرها من المشيخات المتنافرة والبوادي التي يفني بعضها بعضا ؛ وما هي مصلحة بريطانيا من جمع منابع النفط وقبلة المسلمين ومهاجر نبي الأمة الكريم صلى الله عليه وسلم في دولة واحدة ؛ وماهي مصلحة بريطانيا من إنشاء أول دولة في التاريخ تسطر على رايتها شهادة التوحيد التي هي ركن الإسلام وجِماع أمر المسلمين ؛ وتدعو إلى العودة بالدين 

إلى ما كان عليه رسول الله وأصحابه ، وتنفي عنه البدع والخرافات وتجليه للأعين والقلوب نقياً رائقا أبيضاً ليله كنهاره لا يزيغ عنه إلا هالك .

حين تسألهم عن ذلك كله لا تجد عندهم إلا عَلْك الكلام ، والحديث عن المال الذي كان يأخذه المؤسس من بريطانيا وصَرَّح به عبدالله فيلبي في مذكراته ، ونقول لهم :ثم ماذا؟

نعم أخذ عبد العزيز بعض الأعطيات من بريطانيا كغيره من الشخصيات التاريخية القوية التي كانت الدولة العظمى آنذاك تحاول استقطابها ، وقَبِلَ ما قدمته بريطانيا من مبالغ كانت باعتراف المسؤولين البريطانيين آنذاك زهيدة جداً في مقابل ماكانت تمنحه لخصومه ، لكنه كان حقاً محتاجاً لها ، وقبلها لسد احتياجه ، لكن في المقابل ، ماذا قدم عبدالعزيز لبريطانيا؟

الجواب : لاشئ ؛ لا أقول: لا شيء يذكر ؛ بل أقول: لاشيء مطلقاً ، سوى أنه لم يقم بغزو محمياتها في العراق والشام والخليج ، وقد اكتفت منه بريطانيا بذلك واعتبرت نفسها قد حققت إنجازاً عظيما حين أمَّنَت مستعمراتها من سنابك خيله.

وبعد هذا كله لا يجد هؤلاء المناوؤن حجةً لأحقادهم ومُتَعَلقاً يتعلقون به، إلا قضية فلسطين وصياغة الأساطير عن عبدالعزيز الذي باعها .

ومع أن السرد التاريخي المجرد يأبى هذا الطرح إلا أن القلوب الحاقدة لا تعتني بالحجج ولا المنطق التاريخي وإنما تتعلق بأي خيط لتبرير أحقادها .

فقد احتلت بريطانيا فلسطين عام ١٣٣٦هـ وليس لعبدالعزير أي حدود معها ، ودخلت الجيوش البريطانية إليها عن طريق مصر ، وبدعم مباشر من الجيش الحجازي الذي يقوده الشريف فيصل ولورانس ، ولم تكن بريطانيا في احتلالها لفلسطين في حاجة إلى رجل كالملك عبدالعزيز ، وهي من احتل 

 نصف بلاد الدنيا أو أكثر .

وقد أقامت دارة الملك عبدالعزيز  الحجة على كل من يتشدقون بإلقاء التهم على مؤسس المملكة حين قامت بجمع جميع الوثائق الخاصة بالملك المؤسس   وترجمة غير العربي منها في قرابة العشرين مجلداً وأتاحتها للباحثين الذين لن يجدوا فيها إلا ما يفخر به كل مسلم صادق وعربي أصيل.

نعم لقد كان عبدالعزيز رحمه الله سياسياً واقعياً يعرف كيف يخاطب الدول الأقوى في ذلك الوقت  ويدرك جيداً أن التعدي على مصالحها أو إساءة الخطاب معها أو التصلب في مفاوضتها يعني استعداءها ، وجعلها تعلن التعبئة ضده وتتخذ التخلص منه أولوية ؛ لذلك كانت مواقفه في مواجهة دول العالم العظمى في زمنه تتسم بالحنكة والدهاء وبعد النظر ؛ لذلك استطاع أن يأخذ من الجميع كل ما يريد ولا يقدم في مقابل ذلك إلا مايريد ؛ وساعده في ذلك اشتغال الدول العظمى في الفترة التي أسس فيها دولته بحربين عالميتين ، لعلهما من دفع الله تعالى الناس عنه.

وعوداً على قضية فلسطين فقد كان الملك عبدالعزيز أول قائد مسلم يستشعر ما يخطط لفلسطين من عدوان، ففي عام١٣٥٩هـ استشعر الملك عبد العزيز أن الحرب العالمية الثانية سوف تنتهي بالطريقة نفسها التي انتهت بها الحرب الأولى وهو تدخل الولايات المتحدة لحسم النزاع وبذلك سوف تكون الكلمة الفصل لها في جميع سياسات الدول الأوربية ، فأرسل إلى الرئيس الأمريكي فرانكلين روزفلت يُذَكِّره بواجب الولايات المتحدة في إيقاف الاستيطان اليهودي في فلسطين والذي تقف وراءه بريطانيا ، وكانت هذه الخطوة هي الأولى من نوعها في استشراف المستقبل الأمريكي في المنطقة وهي غاية ما كانت تستطيعه المملكة العربية السعودية في مواجهة بريطانيا أكبر دولة استعمارية في العالم.

وفي عام ١٣٦٤هـ وقبيل إعلان نهاية الحرب العالمية الثانية أراد روزفلت اللقاء بالملك عبدالعزيز ضمن عدد من اللقاءات السرية  شملت فاروق ملك مصر وهيلاسيلاسي ملك أثيوبيا ؛ وكان أول إعلان لما جرى في هذا اللقاء بين عبدالعزيز وروزفلت بقلم وليم إيدي أول وزير مفوض للولايات المتحدة في السعودية وقد حضر هذا اللقاء وأدار عملية الإعداد له ؛ وسوف أقف في بقية هذا المقال عند نقطتين تسهمان في توضيح موقف عبد العزيز من مبادئه في مواجهة أول لقاء مباشر له مع الحضارة الغربية .

النقطة الأولى:حرص الملك عبدالعزيز على عدم التهاون بتعاليم دينه بل حرص أكثر على إبرازها وعدم التخلي عنها تحت وطأة البروتكول الأمريكي ، فقد أصر ممثل الملك عبدالعزيز على تصعيد عدد من الخِراف لتُذبح للملك ، وقد أكد قبطان المدمرة ميرفي التي جاءت لتقل الملك من ميناء جدة أن لديهم ما يكفي من اللحوم المجمدة وأن المدمرة لا تحتوي على حضيرة للبهائهم ، لكن أصر ممثل الملك على أن تحمل الكباش وأن يكون طعام الملك ومرافقيه على الطريقة الإسلامية مما اضطر طاقم السفينة إلى استحداث حضيرة في مؤخرة السفينة ، وموقد فحم لإعداد طعام الملك .

وعُرض على الملك في السفينة فِلمٌ عن المدمرة التي يعتلونها ويبدو أن الحديث جرى عن صناعة السينما فأفاد الملك أنه لا يريد نقلها إلى بلاده لأنها تشغل الناس عن عباداتهم .

كما اختار ممثلو الملك رحمه الله مكانه من السفينة بحيث يستطيع متابعة القبلة في أوقات الصلاة .

وبعد وصول المدمرة ميرفي إلى البحيرات المرة في قناة السويس ، انتقل منها إلى السفينة كوينسي حيث استقبله الرئيس روزفلت ، وكان الحديث عن حق اليهود في الاستيطان في فلسطين هو الأبرز في ذلك اللقاء ، وهو النقطة الثانية: حيث أثار روزفلت مسألة الاستيطان اليهودي في فلسطين وكأنه يستحضر رسالة الملك له في هذا الشأن قبل أربع سنوات ، فكان خلاصة رد عبد العزيز : أن الحلفاء إذا كانوا يعتقدون ظلم الألمان لليهود فعليهم أن يعطوهم جزءًا من ألمانيا وليس فلسطين ، وإذا كان اليهود كما يقول روزفلت لم تعد لديهم القدرة على العيش في ألمانيا فليتقاسمهم الحلفاء؛ وحين سأل روزفلت عن رأي الملك في اقتراح تشرشل إنزال اليهود في ليبيا بدلاً من فلسطين أفاد الملك بأنه لا يمكنه أن يرفض منح فلسطين لليهود ثم يوافق على منحهم بلداً آخر ليس له أي علاقة بما حصل لليهود من هتلر.

ويبدو أن هذا اللقاء قلب مفاهيم روزفلت عن المسألة اليهودية حيث نُقل عنه أنه قال بعد عودته لقد عرفت عن المسألة اليهودية من عبدالعزيز في خمس دقائق مالم أعرفه من عشرات المراسلات والمقالات.

كما ظلت قضية فلسطين قضية عبدالعزيز الأولى في كل لقاءاته بقادة العالم وسفرائهم ، وقد ذكر ديكسون في كتابه الكويت وجاراتها : أنه التقى الملك ثلاث لقاءات مطولة بعد قرار التقسيم وكان يفيض في الحديث عن السياسة البريطانية ومدى ظلمها للفلسطينيين ؛ والحقيقة أن موقف عبدالعزيز من قضية فلسطين يستحق مقالاً آخر .

د محمد السعيدي

التعليقات

رد واحد على “السعودية والحضارة الغربية ٢”

  1. يقول عدنان الصوص:

    رائعة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.