رأيي في تصريح الشيخ السديس إمام الحرم المكي على قناة الإخبارية

رأيي في تصريح الشيخ السديس إمام الحرم المكي على قناة الإخبارية:

وهو في الولايات المتحدة للمشاركة في مؤتمر رابطة العالم الإسلامي عن التواصل الحضاري بين أمريكا والعالم الإسلامي ،قال الشيخ عبدالرحمن السديس ما خلاصته : "إن المملكة العربية السعودية والولايات المتحدة وعلى رأسها الرئيس ترمب وهما قطبا العالم في هذا الشان يقودان إلى مرافئ السلام .." ولما صار من لغط وأخذ ورد وجدال تخلله الكثير من الخلط والتجني أحببت إبداء الرأي في ذلك سائلا الله تعالى الهداية للصواب . وبدايةً فإن حديثي هنا ليس موجهًا لفئتين: الأولى أولئك الذين يتكلفون الأعذار لطوام من الأخطاء العقدية و السياسية والأخلاقيه تقع في بعض تصريحات مسؤولين كبار من الدول الداعمة للإخوان المسلمين كقطر وتركيا ومصر ما قبل ثلاثين يونيو أو من قيادات إخوانيه في أحزاب كالنهضة والحرية والعدالة والإصلاح والحزب الإسلامي ؛ولدينا من هذه التصريحات الكثير مما هو في مجانبته للحق والعدل والدين أوضح من الشمس ؛ والذين تعودوا على تأولها والإعتذار لها لا ينقمون على الشيخ السديس لأنه أخطأ بل لأنهم يشتغلون ضمن برنامج لتشويه السعودية شعروا أم لم يشعروا؛وكلام الشيخ السديس على افتراض خطئه لا يبلغ معشار قول الرئيس محمد مرسي عن بنيامين نتنياهو " الصديق العظيم،نحن وإياك في سفينة واحدة" وهذا مثال فقط ؛ فالذين يتخذون لمثل هذه العباره عشرات التأويلات والتبريرات ثم ينتقدون ما قاله الشيخ السديس لا يسعنا إلا أن نتهمهم في مقاصدهم. الفئة الثانية من يعتذرون لأي خطأ ولو كان واضحا وصريحاً من مسؤول سعودي أو إماراتي أو مصري من حكومة مابعد ثلاثين يونيو فإن هؤلاء مناكفون منعهم الهوى والتعصب من الإقرار بخطأ من يتعصبون لهم؛كالذين حاولوا الإعتذار لتغريدات الفريق ضاحي خلفان حول نفي العداء بين يهود الكيان الصهيوني وبيننا. وإنما أوجه حديثي لطالبي العدل في القول عملاً بقوله تعالى ﴿وَإِذا قُلتُم فَاعدِلوا ﴾ والعدل في الحكم عملاً بقوله تعالى ﴿وَإِذا حَكَمتُم بَينَ النّاسِ أَن تَحكُموا بِالعَدل﴾ والذين اشتبهت عليهم بعض أحكام الولاء والبراء فرغبوا حقاً في معرفة مكان هذه الكلمه التي أطلقها الشيخ السديس من هذه العقيدة ؛ومن أخذتهم الغيرة على دينهم فأرادوا مخلصين معرفة حكم هذه الكلمة؛ هؤلاء هم الذين أوجه إليهم الخطاب التالي فأقول: إن الإسلام لا يمنع من الثناء على بعض الكافرين لمقاصد شرعية كاستمالتهم الى صف المسلمين أو كف أذاهم عنهم أو فك أسير عندهم أو استخلاص مال لديهم فإن كل ذلك من المقاصد التي يصح من أجلها الثناء على الكافر كما يصح الثناء عليه عدلاً معه كأن يمتلك من الصفات ما تؤهله للثناء عليه فيها وكان هناك مبرر لذلك كاستثارة المسلمين ليتخلقوا بالخلق الصالح ؛فإن كفره ليس مبرراً لغمطه حقه من الثناء فيما هو أهل له؛والأصل في ذلك قوله تعالى ﴿ وَلا يَجرِمَنَّكُم شَنَآنُ قَومٍ عَلى أَلّا تَعدِلُوا اعدِلوا هُوَ أَقرَبُ لِلتَّقوى ﴾ وهذا كثير في المأثور عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن بعده من السلف من الثناء على الكافرين لا لكفرهم ولكن لداع من دواعي المصلحة أو لصفة صحيحة فيهم ، ومن الأصول في ذلك قوله تعالى ﴿وَمِن أَهلِ الكِتابِ مَن إِن تَأمَنهُ بِقِنطارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيكَ وَمِنهُم مَن إِن تَأمَنهُ بِدينارٍ لا يُؤَدِّهِ إِلَيكَ إِلّا ما دُمتَ عَلَيهِ قائِمًا ﴾فعدلت الآية في أهل الكتاب وبينت أنهم ليسوا سواء في أمانتهم فمنهم من يخون الأمانة ولو أودع المال القليل ومنهم من يخونها في أقل القليل ؛ومن ذلك ثناؤه صلى الله عليه وسلم على ملك الحبشة وكان نصرانياً مثلثا من أهل الصليب وعلى أرض الحبشة وكانت بلاد كفر؛ فقال فيما رواه ابن إسحق :(لو خرجتم إلى أرض الحبشة فإن بها ملكاً لا يُظلم عنده أحد، وهي أرض صدق حتى يجعل الله لكم فرجاً مما أنتم فيه). وكما قال صلى الله عليه وسلم في عتبة بن ربيعة وهو عدوه يؤم بدر :(إنْ يَكُنْ فِي أَحَدٍ مِنْ الْقَوْمِ خَيْرٌ فَعِنْدَ صَاحِبِ الْجَمَلِ الْأَحْمَرِ إنْ يُطِيعُوهُ يَرْشُدُوا) ومنه قول عمرو بن العاص المستورد القرشي في حق أمة الروم وهم كفار أعداء (إن فيهم لخصالاً أربعا: إنهم لأحلم الناس عند فتنة. وأسرعهم إفاقة بعد مصيبة. وأوشكهم كرة بعد فرة. وخيرهم لمسكين ويتيم وضعيف. وخامسة حسنة وجميلة: وأمنعهم من ظلم الملوك). ويشترط في الثناء على الكافرين ما يشترط في الثناء على للمسلمين من عدم الاسراف والمبالغة والكذب وإن يكون لحاجة داعية لذلك . ويزيد شرط في الثناء على الكافرين :أن لا يؤدي مديحهم إلى تغرير المسلمين بهم أو إقرارهم على كفرهم . وإذا رجعنا لكلام الشيخ وجدنا عليه بعض السمات في داخله والبواعث والمؤثرات من حوله ، كلها تشهد بأن ما قاله دائر بين الاجتهاد السائغ في طلب المصلحة وبين الإباحة الواضحة ؛ وبيان ذلك : -أنه لم يُثنِ على الولايات المتحدة بالسعي للسلام مطلقا في كل عهد ومكان وإلا لكان كاذباً ؛ بل كان ثناؤه مقيداً بأمرين : أحدهما : عهد ترمب ، والآخر في مشروعها مع المملكة العربية ااسعودية ؛ هذه دلالة سياقه ، وفي غير هذين الموضعين لا يشملها ثناؤه وهذا واضح من عبارته بيِّن . ومعلوم أن مشروع البلدين المشترك في عهد ترمب : الحد من نفوذ إيران وهدم معاقل داعش وإنهاء المصائب في سوريا والعراق واليمن والتوفيق بين فتح وحماس في فلسطين ؛ هذا هو المشروع المشترك بين البلدين ، ولا زال الرئيس ترمب يظهر الالتزام به ، والله أعلم بالخواتيم وليس لنا إلا الظاهر ؛ فالثناء في هذه الحدود ، والدعاء بالبركة في هذه الجهود مما هو صحيح جائز . ومن الدواعي لإظهار مثل هذا الثناء تشجيع المؤسسة الأمريكية والرأي العام الأمريكي المؤثر على المضي في هذا الطريق وإيضاح تأثر المسلمين واغتباطهم به . كما أن هذه الكلمة جاءت في ثنايا مؤتمر تم عقده لتغيير نظرة الرأي العام الأمريكية إلى المملكة والمسلمين من أهل السنة والذين اشتغلت على تشويه صورتهم في أمريكا الآلة الإيرانية والصهيونية زمنا طويلا ، فحين يقول الشيخ كلاماً من شأنه أن يترجم للمواطن الأمريكي فيساهم في حرب الدعاية الإيرانية الصهيونية ضد أهل السنة ، فأين الضير في ذلك ؟! بل هو من المنافع المقررة إن شاء الله . والأمر العجيب الذي يدل على ضلوع المقاصد السيئة في الحملة على الشيخ حفظه الله : أن هذا المؤتمر العظيم النافع الذي رعته المملكة من أجل المسلمين في الأمريكتين والعالم لم يلتقط منه هؤلاء الذين يزعمون الغيرة سوى هذه الجملة التي لا تتجاوز السطر الواحد من كلام الشيخ السديس . فوالله لبئس الغيرة غيرتهم ولبئس العدل عدلهم . والذي أحب أن أختم به مقالتي هذه : أن الشيخ عبدالرحمن ليس إماما للحرم المكي وحسب ، بل هو عالم أصولي فقيه لغوي أديب ، عارف بمقاصد الشرع وقارئ للواقع العالمي مدرك لكيفية التعامل معه بالقول والفعل . فعلى من يتجرأ في التطاول والتعجل أن يحسب لهذه الصفات في الشيخ حساباً ثم ليقدم ظن الخير على ظن السوء ولا ينجرف مع أصحاب الوسوم المغرضة التي يقودها دعاة إلى انهيار ثقة المسلمين بعلمائنا وقادتنا وصنائع دولتنا خدمة لمشروع صهيوني ينغمس بعضهم فيه عالمياً فتباً له؛ ويسقط فيه آخر وقد أعمته الشعارات عن حقيقة الدرب ليسقط في غيابك الجب.

د محمد بن إبراهيم السعيدي

التعليقات

التعليق بواسطة عبدالله بن عبي… (لم يتم التحقق) في ثلاثاء, 09/19/2017 - 06:23

قل من ينصف ويعدل مثلك يا دكتور وفقك الله وسددك فأنت على ثغر عظيم . جزاك الله خيرا

التعليق بواسطة عمر محمد المطوع (لم يتم التحقق) في ثلاثاء, 09/19/2017 - 06:46

جزاك الله خيرا وبارك في علمك وفقهم وفعل الشيخ من المداراة المسموحة وفيها مصالح ظاهرة لدولتنا والمسلمين هنا وهناك وللمسلمين في دولتهم والله الهادي وحدة

التعليق بواسطة مجهول (لم يتم التحقق) في ثلاثاء, 09/19/2017 - 07:01

بيض الله وجهك ومن مقاصد الشريعة جمع الكلمة ونبذ الاختلاف بين المسلمين

التعليق بواسطة ابوفارس (لم يتم التحقق) في ثلاثاء, 09/19/2017 - 07:07

مقال رائع من شخص حكيم

التعليق بواسطة أبو حمزة (لم يتم التحقق) في ثلاثاء, 09/19/2017 - 07:11

بارك الله فيك كلام مسدد ينم عن علم و دراية و سعة أفق.

التعليق بواسطة عمر العتيبي (لم يتم التحقق) في ثلاثاء, 09/19/2017 - 07:16

أحسن الله إليك وذب عن وجهك النار كما ذببت عن عرض أخيك .

التعليق بواسطة عبدالمجيد الغقل (لم يتم التحقق) في ثلاثاء, 09/19/2017 - 07:39

كلام موفق ومسدد ياشيخ محمد

التعليق بواسطة مجهول (لم يتم التحقق) في ثلاثاء, 09/19/2017 - 09:13

احسنت في هذا العرض

التعليق بواسطة صالح العتيبي (لم يتم التحقق) في ثلاثاء, 09/19/2017 - 13:42

سلمت اناملك وبارك الله فيك وفي شيخنا السديس وحسبنا الله ونعم الوكيل على المتربصين ببلادنا وعلماؤنا

التعليق بواسطة د. سعد السبر (لم يتم التحقق) في ثلاثاء, 09/19/2017 - 16:17

نفع ألله بكم يادكتور محمد أجدت وافدت د. سعد السبر

التعليق بواسطة الفرات القيسي (لم يتم التحقق) في ثلاثاء, 09/19/2017 - 16:18

جزاك الله خيراً يا دكتور وأجزل لك المثوبة.. جزى الله خيراً من دافع عن عالم من علمائنا الأخيار.

التعليق بواسطة فيصل بن عبدالل… (لم يتم التحقق) في ثلاثاء, 09/19/2017 - 17:13

جزاك الله خيرا وأحسن إليك وتقبل صالح الأعمال منك قلت حقا وأوضحت شمسا وهذا هو منهج أهل السنة والجماعة والله يهدي من يشاء

التعليق بواسطة محمد عبد الله الشلاش (لم يتم التحقق) في أربعاء, 09/20/2017 - 00:00

بارك الله فيك ياشيخ محمد ، بيان واضح وجلي لمن ينشد الحق وهذا يدل على عمق تفكيركم وصدق نيتكم بإذن الله تعالى ولانزكي على الله أحدا ، أحسنتم وأجدتم

التعليق بواسطة ابراهيم احمد الحضيره (لم يتم التحقق) في أربعاء, 09/20/2017 - 06:04

مقال طيب في مجمله..مع نفس قد لا يكون هذا المقال مكانه. وخلاصة رأيي نعم أمريكا ليست كلها شر مطلق.. ولا خير مطلق.. بل لها مواقع تذم أحياناً ومواقع تشكر عليها أحيانا أخرى .. والسعي للسلام وتحسين صورة الإسلام واجبه علينا .. سيما وان الأعداء كثر.. وعلينا كذلك واجب تفسير ما نسمع ونقرأ سيما من قادتنا وعلمائنا بنظرة مصلحة الأمة ضمن إطار الكتاب والسنه..وان نقر بأن السياسة لا عداوة دايمة فيها ولا صداقات دائمة بل مصالح دائمة توجه بوصلتها .. قد تتقاطع مع جهة ما في زمن ما.. وتتعارض معها في زمن آخر.. فلا نميل كل الميل.. ولنرقى باساليبنا وفق ما شُرّع لنا حتى مع خصومنا ما استطعنا ذلك. #ابراهيم

التعليق بواسطة خالد الخليفة (لم يتم التحقق) في أربعاء, 09/20/2017 - 08:27

لقد أجدت وأفدت يادكتور محمد كعادتك في التأصيل والتفصيل بكل تجرد وانصاف وازلت اللبس على طالب الحق المنصف اما غير فهو كماقلت غير معني بالمقال

التعليق بواسطة مجهول (لم يتم التحقق) في أربعاء, 09/20/2017 - 08:44

وفقك الله تحليل منطقي واقعي فقهي ممتاز .

التعليق بواسطة علي ضحوان (لم يتم التحقق) في أربعاء, 09/20/2017 - 09:06

احسنت في لذب عن فضيلة الشيخ السديس فجزاك الله خير وحفظكم الله لنا علماء ودعاة الي الخير ووفقكم الي كل خير .

التعليق بواسطة مجهول (لم يتم التحقق) في أربعاء, 09/20/2017 - 11:02

جزاك الله خيرا

التعليق بواسطة مجهول (لم يتم التحقق) في أربعاء, 09/20/2017 - 12:38

سلمت يمينك ??

التعليق بواسطة ابراهيم علي (لم يتم التحقق) في أربعاء, 09/20/2017 - 14:34

كلام معتبر

التعليق بواسطة محمد حافظ (لم يتم التحقق) في أربعاء, 09/20/2017 - 14:38

سلمت يمينك فضيلة الشيخ الدكتور محمد إبراهيم السعيدي وجزاكم الله خيرا

التعليق بواسطة مجهول (لم يتم التحقق) في خميس, 09/21/2017 - 09:17

جزاك الله خيرا واسعدك

التعليق بواسطة أبو عبدالرحمن (لم يتم التحقق) في خميس, 09/21/2017 - 09:44

جزاك الله خيرا يا دكتور. طوبىلمن أمسك لسانه في هذا الزمن إلا من خير.

التعليق بواسطة فهد الشلوي (لم يتم التحقق) في خميس, 09/21/2017 - 17:21

لا عدمناك

التعليق بواسطة عبدالعزيز الفهاد (لم يتم التحقق) في جمعة, 09/22/2017 - 06:39

بارك الله فيك لقد انصفت الشيخ السديس

التعليق بواسطة حسن العامري (لم يتم التحقق) في جمعة, 09/22/2017 - 06:43

وفقك الله شيخنا الجليل

التعليق بواسطة أبو وسن (لم يتم التحقق) في سبت, 09/23/2017 - 06:50

بيض الله وجهك .. وذب عن وجهك النار ولا غرابة في هذه الحملة فهي ديدن المنافقين والمندسين لزعزعة الثقة في علمائنا وقادتنا .. ولكن هيهات أن يبلغوا أمانيهم وفينا من يجلي الحقائق مثلك شيخنا الفاضل..

التعليق بواسطة إبراهيم خوجه (لم يتم التحقق) في أحد, 09/24/2017 - 21:36

لا فض قوك، اللهم أرنا الحق حق وارزقنا اتباعه وأرنا الباطل باطلا وارزقنا اجتنابه يارب.

التعليق بواسطة مجهول (لم يتم التحقق) في اثنين, 09/25/2017 - 21:01

السديس شيخ جليل واللي يتصيد في الماء العكر ليس له إلا التعب والحسرة. وموتوا بغيضكم

التعليق بواسطة محمد الحربي (لم يتم التحقق) في أحد, 04/08/2018 - 02:28

جزاكم الله خيرا وبارك فيكم وفِي علمكم ونفع بكم. أنصفتم فضيلة الشيخ السديس وكشفتم جهل وخبث من يصطاد بين ثنايا تصاريح العلماء والقادة في بلادنا.

إضافة تعليق جديد

اخترنا لكم

كتب و بحوث

جانبي