الاستعمار الجديد وموقف الدولة السعودية والجماعات والأحزاب الإسلامية منه : قراءة في المواقف والتصرفات

تكبير الخط تصغير الخط
الاستعمار الجديد وموقف الدولة السعودية  والجماعات والأحزاب الإسلامية منه :
قراءة في المواقف والتصرفاتمن هي الدولة او الجماعة  الوظيفية ومن هي الدولة او الجماعة الحليفة للإستعمار الجديد ، الدولة السعودية ام بعض الجماعات والأحزاب الإسلامية وعلى رأسها جماعة الإخوان المسلمين ؟
هذا السؤال يقودنا إلى سؤال أوضح وهو :  من المنسجم مع خطط أعداء الأمة، وسائر في ركابها، ومنفّذ لإستراتيجيتها ووظيفتها التدميرية والتخريبية في العالم الإسلامي بشكل عام، والعالم العربي بشكل خاص  ،  السياسة والإستراتيجية السعودية أم سياسة واستراتيجية بعض الأحزاب والجماعات الإسلامية، وعلى رأسها جماعة الإخوان المسلمين؟ يكتب البعض عن الدولة السعودية أنها دولة حليفة لبعض الدول التي لها مشروعاتها التخريبية والتدميرية سياسيًّا وعسكريًّا في المناطق الإسلامية، وأنها دولة (وظيفية!) لتلك الدول في تنفيذ خططها العدائية للإسلام والمسلمين في العالم الإسلامي عامّةً، والعربي خاصّةً. 

لنأخذ ثلاث أزمات منيت بها الأمة، افتعلها أعداء الأمّة، وكانت سببًا في استنزافها، وتشتيت أمرها، وخراب ديارها. ومن خلالها نجيب عن السؤال المتقدّم

الأزمة الأولى: أزمة الخليج الأولى:  
كان سببها الأول الرئيس هو وصول الخميني إلى طهران واستلام الحكم في إيران، وإعلانه تصدير الثورة الصفوية إلى كل مكان، ومناصبته الأمةَ الإسلاميةَ العداءَ، وكان شعاره في ذلك أن تحرير القدس يمرّ من خلال بغداد والرياض. يقول الأمير بندر بن سلطان شارحًا موقف الخميني بعد الثورة: “بدلًا من أن يمدّ المنتصرون في الثورة الإيرانية يد الصداقة إلى جيرانهم ويكسبوا اعترافهم وتأييدهم أعلن الخميني أن العراق وكل بلدان الخليج – ومنها المملكة العربية السعودية – أعداء، لأنها تنتهك المقدسات وكافرة. وظنَّ أن رياح الثورة ستكتسح العراق وتهبّ جنوبًا وصولًا إلى الخليج…، أعتقد لو أن الخميني لم يهدّد بتصدير الثورة إلى بلدان الخليج، ولم يتّخذ موقفًا معاديًا للمملكة العربية السعودية وبلدان الخليج في عِظاته وخطبه لما دعمت المملكةُ ودولُ الخليجِ العراقَ في أثناء الحرب الإيرانية – العراقية، …، ما لم يفهمِ الناسُ هذه الحقيقة فإنهم لن يفهموا سبب إنفاق المملكة العربية السعودية 25 مليار دولار لدعم صدام والعراق” (وليام سيمبسون، الأمير بندر بن سلطان، ص213).

لننظر من كان خلف إيصال الخميني إلى الحكم في إيران؟ ومن الذي دعم الفكرة الصفوية ذات القومية الفارسية فكريًّا وعقديًّا؟ ومن الذي وقف ضدّها؟ ثم من الذي وقف مع الخميني في حربه ضد العراق التي هي جزء من مشروع تصدير الثورة الصفوية؟ ومن الذي واجهها؟ هل هي السياسة السعودية أم سياسة بعض الجماعات الإسلامية، وعلى رأسها جماعة الإخوان المسلمين، هدانا الله وإياهم؟!

لا أحد يشكّ أن الخمينيَّ الصفويَّ وصل إلى طهران بدعم من استخبارات أعداء الأمة، وبتنسيق بينهم وكيد منهم فأسقطوا صديقهم الشاه واستبدلوه بصديق اخر وهو الخميني ؛ فمن بارك هذه الخطوة قبل وصول الخميني إلى طهران وبعده، ودعمها سياسيًّا وإعلاميًّا وروحيًّا؟! 

يقول القيادي ورجل الأعمال الإخواني يوسف ندا: “إن الإخوان شكّلوا وفدًا من جميع الأقطار التي يتواجدون فيها، وسافروا إلى باريس لدعم الخميني وتشجيعه، وهم قبل زيارة الوفد كانوا متواجدين حوله” (قناة الجزيرة الفضائية، برنامج: “شاهد على العصر”).  
وذكر الدكتور طه الدليمي  أن “ممن زار الخميني في باريس وشجّعه على المضيّ في ثورته عارضًا خدمات الإخوان للخميني المرشد مهدي عاكف – رحمه الله – عندما كان قياديًّا في التنظيم الدولي للإخوان، وقد طلب منه الخميني دعمًا إعلاميًّا من الإخوان لإيران الإسلامية في الدول العربية التي يوجد فيها الإخوان بكثافة، مثل: مصر والجزائر والمغرب ودول الخليج، وهو الطلب نفسه الذي كرّره الخميني أيضًا خلال لقائه بأول وفد إخواني حضر إلى طهران لتهنئته بنجاح الثورة” (طه الدليمي،  منطق النقض، ص46).
وألقى المراقب العام لجماعة الإخوان في الأردن، عبدالرحمن خليفة – رحمه الله -، كلمة في أثناء زيارته طهرانَ، قال فيها: “إن الجمهورية الإسلامية في إيران هي أول دولة تحكم بالإسلام في العصر الحديث، وتعلنها صريحة بأن الحكم لله، وبموجب كتاب الله، والصحيح من حديث الرسول صلى الله عليه وسلم، وتدعو إلى وحدة صادقة بين المذاهب الإسلامية، وأن من قام بهذه الثورة أناس يتّصفون بالتقى والورع، وعملوا بما عَلِموا، فرضي الله عنهم” (الكلمة منشورة على شبكة الإنترنت).
وممن زاره كذلك القيادي في الجماعة راشد الغنوشي، فيذكر يوسف ندا أنه بعد وصول الخميني إلى طهران “فقد سارع الوفد الإخواني نفسه إلى زيارته وتهنئته بنجاح الثورة والوصول للحكم” (يوسف ندا، قناة الجزيرة: برنامج “شاهد على العصر”
).وكان الغنوشي قد صرّح من تونس بدعمه للخميني عقديًّا وفكريًّا، وأن حركة الخميني ومنهجه هو تفسير لنصوص قرآنية غائبة عن الفكر الإسلامي، فقد قال: “لقد جاءت الثورة الخمينية في وقت مهمّ جدًّا بالنسبة إلينا، إذ كنّا بصدد التمرّد على الفكر الإسلامي التقليدي الوافد من المشرق، فجاءت الثورة الإيرانية لتعطينا بعض المقولات الإسلامية التي مكّنتنا من أسلمة بعض المفاهيم الاجتماعية اليسارية. فلما جاءت الثورة الخمينية علمتنا درسًا آخرَ من الكتاب العزيز لخّصته هذه الآية من سورة القصص: (ونريد أن نمنَّ على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين، ونمكّن لهم في الأرض ونُري فرعون وهامان وجنودهما منهم ما كانوا يحذرون) [سورة القصص: 5، 6]، وجدنا فيها الحلّ وكأننا نقرأها لأول مرة، شعرنا كما لو أن الفكر الإسلامي من قبل لم يقرأ هذه الآية، وكأنما هي كشف خميني” (الغنوشي، تجربة الحركة الإسلامية في تونس، ص61).
وفي الجزائر قامت رابطة الدعوة الإسلامية بتعزية الشعب الإيراني بموت الخميني، وتضمّنت كلمات العزاء عباراتٍ تدل على أن المعزّين لا يرون في مشروع الخميني أيَّ غضاضة على عقيدة الإسلام وسيادة أرض المسلمين فقد جاء في خطابهم :  “إن اللجنة التحضيرية لرابطة الدعوة الإسلامية لتقف متعاطفة مع الشعب الإيراني الشقيق إثر وفاة قائد الثورة الامام آية الله الخميني، وإننا لندعو الله أن يقيّض للشعب الإيراني الشقيق إمامًا في مستوى تحديات العصر وآمال المسلمين في التعاون لإقامة كيان سياسي جامع للأمة الإسلامية، ولاستئناف وظيفتها الرسالية في ظل منهج النبوة” (عبدالمالك الرمضاني، مدارك النظر، ص428). 
فهل يعقل بعد ما فعله الخميني في حربه للعراق وما فعله من أحداث في دول أخرى، وما أصدره من بيانات وخطب وكتب تدلّ على تعصّبه لعقيدته الصفوية، ولقوميّته الفارسية؛ أن تصدُر مثل هذه التعزية من أعضاء الرابطة، وفيهم: عباسي مدني، وعلي بلحاج، وأحمد سحنون. 

وفِي قطر كتب الدكتور يوسف القرضاوي، أحد علماء الإخوان المسلمين، داعمًا للخميني فكريًّا وروحيًّا، وأنه أحيى الأمل في الأمة ونفض الغبار عن العقيدة الصحيحة والشريعة الكاملة حيث قال: “ومن ثمرات هذه الصحوة ودلائلها الحية: قيام ثورتين إسلاميتين، أقامت كل منها دولة للإسلام، اتباعًا ومنهجًا ورسالةً، في شؤون الحياة كلها: عقائد وعبادات، وأخلاقًا وآدابًا، وتشريعًا ومعاملاتٍ، وفكرًا …، أما الثورة الأولى فهي الثورة الإسلامية في إيران، والتي قادها الإمام آية الله الخميني…، وأقام الخميني دولة للإسلام في إيران على المذهب الجعفري، وكان لها إيحاؤها وتأثيرها على الصحوة الإسلامية في العالم، وانبعاث الأمل فيها بالنصر، الذي كان الكثيرون يعتبرونه من المستحيلات” (يوسف القرضاوي، أمتنا بين قرنين، ط1، 1421هـ/ 2000م، ص١١٢). 
لو تكلّم رجل عامي بعد مرور أسبوعين على ثورة الخميني بمثل ما كتبه القرضاوي بعد مرور عقدين (1421هـ/ 2000م) عن عقيدة الخميني وحظّه من الإسلام لأنكر عليه وسبّ وشتم، فكيف يكتب عالم بعد عقدين من ظهور عقيدة الخميني الشركية والكفرية والحرب على الإسلام والمسلمين هذا الكلام؟!

وفِي فلسطين كتب عضو حركة حماس، المستشار السياسي للرئيس إسماعيل هنية، الدكتور أحمد يوسف في كتابه (الإخوان المسلمون والثورة الإسلامية في إيران):
“وبعد خمسين عامًا زمانيًّا – من إنشاء الإخوان المسلمين على يد الإمام الشهيد، وستين عامًا تقريبًا من انهيار الخلافة العثمانية، وبتحديد أدقّ عام ١٩٧٩م سيقع حدث هزّ العالم، إذ سيعلن عن قيام أول دولة إسلامية في الفضاء الدولي، بعد أن ظنّ الجميع أن زمن الدولة (الدينية) بشكل عام، و(الإسلامية) بشكل خاص قد ولّى وانتهى…) (ص٧).
ويقول ايضآ : “أن الدستور الإيراني يشير إلى أن الدولة الإسلامية الإيرانية هي أيضًا دولة دعوة، فالقوات المسلحة (الجيش العقائدي) لا تضطلع بمسؤولية فقط الحماية وحراسة الحدود فحسب، بل أيضًا تحمل أعباء الرسالة الإلهية” (ص١٨).
أي دولة دعوة، وأي رسالة إلهية ؟ لا أدري هل يكفي أن نضع علامة الاستفهام بعد  كلام المستشار أم يجب أن نضعها على سبب تأخر النصر في فلسطين وتحرير المسجد الأقصى على يد أمثال حركتي حماس والجهاد، اذا كانت هذه عقيدتهم تجاه عقائد الرافضة والصفوية .

وفِي لبنان شارك عضو الجماعة الإسلامية الإخوانية، ورئيس جبهة العمل الإسلامي فتحي يكن في مؤتمر أقيم في طهران، وكان ممّا قاله هناك: “قلة قليلة من مجدّدي الإسلام في هذا العصر الذين طرحوا الإسلام كبديل عالمي. والإمام الخميني – رحمه الله – يعتبر من هؤلاء الذين خرجوا بالحالة الإسلامية من الدائرة القُطرية والفئوية إلى مستوى الإعلان العالمي والطرح الدولي لمبادئ الإسلام ودعوته وشريعته ورسالته” (مجلة الشهاب الإخوانية، العدد2، شوال 1412هـ). واعتبر فتحي يكن قيام الثورة الإيرانية تحقيق ما وعد الله به في القرآن، حيث قال: {ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين إنهم لهم المنصورون. وإن جندنا لهم الغالبون}[سورة الصافات: 171 – 173] (الموسوعة الحركية، 1/ 291).فهو يعتبر الخميني (مجدّدًا)، وأن حركته مفسّرة لنصوص القرآن. ولفتحي يكن كتب ومقالات طافحة بالثناء والمدح والدعم الفكري  للخميني ولمشروعه السياسي والعقدي.

 وفي فلسطين ألّف قائد حركة الجهاد الإسلامي الفلسطينية الدكتور فتحي الشقاقي – رحمه الله – كتابًا  كاملًا في دعم الخميني سماه (الخميني والحلّ الإسلامي)، وحاضر وناظر مناصرًا وداعمًا للخميني، وأن الإسلام لم يحكم في الأرض منذ مئة عام إلا على يد الخميني، وأنه إشراقة من إشراقات الإمام الحسين، وأن من يتكلّم في الآيات في طهران لا يخلو من أمرين: إمّا عميلٌ للغرب، وإمّا من وعاظ السلاطين الذين يحققون المؤامرة الصهيونية على الجمهورية الإسلامية في إيران.
معنى هذا أن كل من كتب ، او حاضر عن خطر عقيدة الخميني ، فهو في حكم الشقاقي من وعاظ السلاطين الذين يحققون المؤامرة الصهيونبة على الحكومة الخمينية .
نكتفي بهذه النقول، وهي قليل من كثير، وغيْض من فيْض، وسطر من كتاب، في توضيح مباركة الإخوان المسلمين وبعض الجماعات الاسلامية ودعمهم الروحي والعقديّ والسياسيّ والسياديّ للمؤامرة على عقيدة الإسلام  وأرض المسلمين.  وإذا قارنّا بين موقفهم هذا وموقف الدولة السعودية من العقيدة الخمينية سيظهر جليًّا مَن الذي ساهم في توهين عقيدة الإسلام والمسلمين وخلخلتها وزعزعتها، وهو ما خطط له أعداء الأمة من دعم الخميني وإيصاله إلى إيران؛ هل هي النظرةُ السعوديةُ أم نظرةُ بعض الجماعات الإسلامية، وعلى رأسها جماعة الإخوان المسلمين؟! 

لن تكون هناك شهادة أفضل وأعدل من شهادة خصوم السعودية لها في مواجهتها للغزو العقدي الرافضيّ على عقيدة الأمة. يقول القيادي في جماعة الإخوان يوسف ندا: “حدثت التفرقة ضد الشيعة لأن الصيغة السعودية من الإسلام انتشرت خلال منطقة الخليج، فعقيدة الشيعة بالنسبة لهم انحراف عن الإسلام الحقيقي” (يوسف ندا، من داخل الإخوان المسلمين، ص121).
وعد الدكتور احمد يوسف -عضو حركة حماس – من اسباب التوتر بين جماعة الإخوان المسلمين والآيات في طهران تشنيع وتنفير الحركات السلفية والوهابية المدعومة من الدول الخليجية من العقيدة الخمينية حيث قال: “إن الساحة الإسلامية السنية شهدت حملة مكثّفة شنتها بعض رموز السلفية، ووظفت لها أموالًا خليجية طائلة، للتعريض بإيران” (ص٣٣). 
وقال أيضًا: “ولعلنا لا نجانب الحقيقة إذا قلنا بأن الحملة السابقة من الجانب السني (السلفي) كان مدفوعًا للأسف من قبل بعض الدول الخليجية، التي رأت – في تقديرنا – بأن الثورة الإسلامية في إيران تمثّل منافسًا لها في الشريعة الإسلامية التي اعتادت أن تقدّم بها، كما رأى البعض الآخر فيها تهديدًا لاستمرارية وجوده السياسي” (ص٣٤).  
وكرر ذلك في موضع آخر بقوله: “وذلك الضخ التكفيري الرهيب الذي مارسته بعض محطات السلفية (الوهابية) ضد الجانب الشيعي ” (ص٢٢). فواضح من كلام أحمد يوسف بأنه ضاق وإخوانه في حماس ذرعًا بالحملة السلفية ضد الدولة الإسلامية الخمينية الأولى في العالم كما يُزعم!؟ 

وفِي حديث لي مع الدكتور محـمد بن سعد السالم، المدير السابق لجامعة الإمام محـمد بن سعود الإسلامية، بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001م، حول المذكرة التي كتبها معارض سياسي  من الطائفة الشيعية يعيش في أمريكا، وبمعاونة رجل يهودي عضو في الكونجرس حول كتاب (منهاج السنة النبوية)، لشيخ الإسلام ابن تيمية، وأرسلت إلى الجامعة لأنها الناشر لهذا السفر العظيم متهمين الجامعة بالطائفية . وهو ما يدلّ دلالةً قويةً على مواجهة السعودية للعقيدة الصفوية بمؤسساتها التعليمية وفتاوى علمائها، وهي الصفة التي تمايز بها الجماعاتِ الإسلاميةَ، وعلى رأسها جماعة الإخوان المسلمين. 

وننتقل إلى موقف الجماعات الإسلامية، وخاصةً جماعة الإخوان المسلمين، من الحرب العراقية – الإيرانية، أو حرب صدام والخميني. يلقي الدكتور العراقي طه الدليمي بالملامة على بعض الإسلاميين أنهم ربّوهم على تمنّي سقوط صدام حسين وهزيمته أمام الخميني. 
 
قليل من المتابعين يتوقّع أن يصل حبّ الخميني إلى هذه الدرجة لدى بعض الجماعات الإسلامية، وخاصة جماعة الإخوان المسلمين. أمّا الأكثرية فلا يتوقّعون ذلك؛ لذلك قمت بزيارة إلى  المراقب العام السابق لجماعة الإخوان المسلمين في العراق الدكتور نعمان السامرائي، ساكن الرياض، بتاريخ 19/ 9/ 1436هـ، وسألته عمّا ادَّعاه طه الدليمي العراقي من أن الإسلاميين ربّوهم على تمنّي هزيمة صدام وانتصار الخميني؟ فقال: “نعم، هذا صحيح ! فلم يترك صدام له في العراق من صديق”. لكن الفكرة ما زالت خطيرةً ومستهجنةً جدًّا جدًّا، ويصعب تصوّرها، فاتصلت بالدكتور بشار عوّاد معروف، المحقق والمؤرخ العراقي المشهور، بتاريخ 11/ 12/ 1436هـ، وسألته السؤال التالي: هل صحيح أن جماعة الإخوان – فرع العراق – كانوا يتمنّون هزيمة صدام أيام حربه مع إيران؟ فأجاب: “نعم، هذا صحيح! وهذه مشكلة كبيرة عند الأحزاب الإسلامية، وقلنا لهم: الثورة الإيرانية ليست ثورة إسلامية؛ بل هي قومية. لكنهم كانوا يشنّعون علينا، أنا وحمد الكبيسي، أخو الشيخ أحمد الكبيسي”.
وقد ذكر هذه المعضلةَ الكاتبُ العراقيُّ الشيوعيُّ عبدالحسين شعبان، فقد قال قاصدًا الإسلاميين في العراق في أثناء الحرب العراقية الإيرانية: “الإسلاميون، وخصوصًا بعد الثورة الإيرانية، كانوا يتطلّعون إلى إيران، وكان بعضهم يراهن على استمرار الحرب للإطاحة بالنظام وتحضير البديل” (عبدالحسين شعبان، المثقف في وعيه الشقي، ص110).
لكن التعويل في هذا الأمر على ما سبق نقله . 
كنت قد طرحت هذه الأسئلة قبل أن أطّلع على بيانهم الذي أصدروه في أثناء الحرب بين الخميني وصدام؛ فإذا به يصبّ في الاتجاه نفسه، بل أشنع ممّا توقعته. يقول البيان: “… إن هذه الحرب – حرب العراق ضد إيران – ليست حربَ تحرير للمستضعفين من الرجال والنساء والولدان الذين لا يملكون حيلةً ولا يهتدون سبيلًا، فشعب إيران المسلم قد حرر نفسه من الظلم والاستعمار الأمريكي الصهيوني في جهاد بطوليّ خارق، وبثورة إسلامية عارمة فريدة من نوعها في التاريخ البشري، وتحت قيادة إمام مسلم هو دون شك فخر للإسلام والمسلمين. … إن ضرب الحركة الإسلامية وإطفاء شعلة التحرير الإسلامية التي انبعثت من إيران”، ثم حثّ البيان الشعبَ العراقيَّ على الانتفاضة على الحاكم في العراق والانضمام لمعسكر الثورة الإسلامية في إيران. 
لنقارن هذا الموقف بالموقف السعودي. كانت السعودية رافضةً لفكرة الحرب من بدايتها؛ لعلمها أنها تنفيذ لخطة الأعداء لاستنزاف الأمة وتشتيت جهودها سياسيًّا وعسكريًّا، فجاء في  كتاب الأمير بندر بن سلطان: “إن كارتر أعطى الضوء الأخضر لغزو إيران بعد احتجاز الرهائن الأمريكيين في طهران”، ويقول: “إن وزير الخارجية الأمريكي أطلع الملك فهد وغيره من حكام العرب على عزم أمريكا على شنّ الحرب على إيران” (وليام سيمبسون، الأمير بندر بن سلطان، ص210). وقال أيضًا: “جرى إسكات محاولات الأمم المتحدة لتقصير أمد الحرب الإيرانية العراقية بصورة مثيرة للدهشة” (المصدر السابق، ص216).
ولذا تدفّق الدعم الغربي العسكري للجهتين الإيرانية والعراقية – إيران  كونترا جيت-؛ لإطالة أمد الحرب بينهما.  
لكن الملك فهد بن عبدالعزيز كان رافضًا فكرة الحرب، “فقد نصح الملكُ الرئيسَ صدامَ بأن يتريّث، فالحرب سهلة في بدايتها، صعبة في نهايتها، وقال له: أرجو أن تفكّر طويلًا قبل هذه الخطوة. بعد سنتين من هذه النصيحة اعترف صدام للملك أنه كان على خطأ حين تجاهل نصيحته” (غازي القصيبي، أزمة الخليج.. محاولة للفهم، ص42).

ويحكي بندر بن سلطان: “إن الملك قال لصدام إن الإيرانيين في حالة فوضى بعد الثورة، وإنهم منهمكون في مقاتلة بعضهم بعضًا، …، وإنك إذا شنّيت حربًا ضدّهم فسوف توحّدهم، وستقاتل بلدًا لديه ستون مليون نسمة، ومقدّرات وفيرة، وقدرة على تحمّل حرب استنزاف، وذلك ليس في مصلحتك ولا مصلحتنا” 
(وليام سيمبسون، الأمير بندر بن سلطان، ص211).
وفِي مجلس عزاء حضره  الأمير سلطان بن عبدالعزيز – رحمه الله – قال: “إن الملك فهد وولي العهد وأنا – يقصد نفسه -، جميعنا نصحنا صدام بأن لا يبدأ بالحرب، لكنه لم يستجب ولم يسمع للنصيحة، فلم تدعمه المملكة إلا بعد أن احتلت القوات الإيرانية أرضًا عربيةً، وهي منطقة الفاو، وضربت لواءً كاملًا. هنا لن نسمح أن تُحْتَلّ أرضٌ عربيةٌ، بدأنا بدعمه حتى النهاية بما يقارب 28 مليار دولار” .

هناك فرق كبير بين من كان رافضًا للحرب، لأنها مطلبٌ ومقصدٌ لأعداء الأمة من الصهاينة لتشتيت الأمة واستنزافها سياسيًّا وعسكريًّا وماديًّا، ولكنه لما مالت الكفة لصالح إيران دعم العراق وصدام؛  لأن انتصار إيران الصفوية هو تهديد للأمة في دينها، وسيطرة على دولها سياسيًّا وسياديًّا، وهذا ما حصل بعد إسقاط صدام عام 2003م – وبين من يتمنّى هزيمة صدام على يد الخميني الصفوي، ويدعو العراقيين إلى الثورة ضده والانضمام إلى معسكر إيران بقيادة من زعموا أنه فخر للإسلام والمسلمين!، كما في بياناتهم  .
(يتبع الأزمة الثانية )

الأزمة الثانية: 

كان سبب أزمة الخليج الثانية الأول والرئيس احتلال صدام حسين للكويت. ولا أحد الآن في العالم يشكّ بأن وراء الأكمة ما وراءها؛ فلولا الضوء الأخضر من أعداء الأمة لما تجرأ صدام على فعلته النكراء بمخالفة الأمة، فقد كان جواب غلاسبي، السفيرة الأمريكية في بغداد ضوءًا أخضر، حيث قالت: “الرئيس بوش رجل ذكي، فهو لن يعلن حربًا اقتصاديةً على العراق…، لا رأي لنا بشأن النزاعات العربية- العربية، كخلافكم الحدودي مع الكويت…، لا توجد بيننا وبين الكويت أي معاهدة دفاع، وليست لدينا التزامات دفاعية أو أمنية تجاه الكويت” (وليام سيمبسون، الأمير بندر بن سلطان، ص٢٢٧). 

بل كانت النوايا أقدم من ذلك، فقد صرح بريجنسكي، مستشار الأمن القومي في عهد الرئيس كارتر، عام ١٩٨٠ قائلًا: “إن المعضلة التي ستعاني منها الولايات المتحدة من الآن، هي كيف يمكن  تنشيط حرب خليجية ثانية تقوم على هامش الخليجية الأولى التي حدثت بين العراق وإيران، تستطيع أمريكا من خلالها تصحيح اتفاقية سايكس- بيكو” (وليد الهويريني، عصر الإسلامين الجدد، ص٢٦). 

السطور التالية تبين وتوضح وتكشف من أيّد صدام العلماني البعثي في تنفيذه لخطة أعداء الأمة في احتلال بلد إسلامي يطبّق الأحكام الشرعية أكثر من العراق ألف مرة بل  من أي بلد تنتمي إليه تلك الجماعات والأحزاب المؤيدة (الإسلامية)! إن لم يكن أفضل من تلك الجماعات والأحزاب نفسها في تطبيق الشريعة ودعم المؤسسات الشرعية، بلد يكاد يتبوأ المركز الأول أو الثاني في الأعمال الإغاثية للمشروعات الإسلامية في شتى بقاع الأرض. 

لا يُلام ولا يُؤاخَذ من هم مثل الصحفي محـمد حسنين هيكل، إذا رأى أن ضمّ الكويت للعراق هي وحدة بين الحضري العراقي والبدوي الكويتي، وبين  الفقير العراقي والغني الكويتي، لا يُلام ولا يُؤاخَذ لأنه ممن رُفِع عنه المؤاخذة سياسيًّا وصحفيًّا لدى العارفين بخفايا السياسة والصحافة، ولدى أصحاب المروءات، لكثرة ازدواجيته السياسية وتجنّيه على حقائق التاريخ والجغرافيا والسيادة.

لكن مَن يُلام ويُؤاخَذ هو من يدّعي أنه ينطلق من الوحي مصدرًا للتفكير السياسي والسيادي، ويعرف عناية الوحي العظيمة بحماية وعصمة النفس والمال والعرض والدين، 

ومع كل هذه المعرفة فهو يدعَم هذا الاحتلال البعثي العلماني التخريبي التدميري، الذي لا يقيم للدين ولا للنفس ولا للعرض ولا للمال أيّ اعتبار أو وزن أو شرعية. 

يقول الدكتور حسن الترابي: “إن السطحيين وحدهم هم الذين ينظرون إلى الوحدة العراقية الكويتية كمجرد توسع إقليمي”! 

كذلك لا يُؤاخَذ من يقتات على الصحافة إذا كتب أن صدّامًا    العلماني البعثي بات في
محلّ خليفة للمسلمين، بعدما احتل الكويت؛ لأنه بأبسط العبارات وأخصرها وظيفته الارتزاق. لكن يُؤاخَذ ويلام من يتعبّد إلى الله، ويتقرّب إليه باتخاذ العلماني البعثي مجددًا لعهد الخلفاء وأميرًا للمؤمنين. يقول إبراهيم شكري، رئيس حزب العمل الإسلامي في مصر، وقد كان عضوآ في الوفد الذي قابل الملك فهد لأجل التوسط في قضية الغزو كما سيأتي فقد قال عن صدام: “إن صدام يعيد مجد الخلفاء ويمشي في الأسواق دون حراسة، يحميه  الله والشعب العراقي…”.

كذلك لا يُؤاخَذ ولا يُلام من ليس لديه مبدأ إسلامي، مثل أحمد بن بيلا  الجزائري؛ إذ صدّع رؤوس الناس من إذاعة بغداد أيام احتلال الكويت بأن لديه مليون متطوّع من بلدان العالم الإسلامي جاهزين لنصرة صدام إذا هوجم. 

لكن يُلام ويُؤاخَذ من يدّعي أنه صاحب مبدأ إسلامي، ثم يأخذ جيشًا من الشباب المتحمّس لنصرة الرئيس البعثي العلماني تحت مسمّى الجهاد، مثل علي بلحاج – نائب الناطق الرسمي لجبهة الإنقاذ الإسلامية في الجزائر – الذي جمع عددًا كبيرًا من الشباب الجزائري، وسار بهم إلى العراق، وخطب بعد عودته إلى الجزائر، فشبّه صدّامًا بخالد بن الوليد، ودعا إلى الاعتصام في الحرم أيام الحجّ، وأن لا يخرج المعتصمون منه إلا بعد خروج الكفّار وآل سعود من جزيرة العرب (انظر: عبدالمالك الرمضاني، مدارك النظر في السياسة، ص٣٧٩).

لن يندم السعوديون كندمهم على دعمهم لهذا الرجل (علي بلحاج وأمثاله)، فقد أوقفت الدولة  دعمه بالفعل بعد موقفه هذا، وبعد دعوته إلى الشغب والعنف في الجزائر عام ١٤١٢ه/ 1992م،  كما صرح بذلك الأمير تركي الفيصل رئيس الاستخبارات السعودية آنذاك في محاضرة له ألقاها في الجزائر بعد أزمتها. الإسلاميون والعسكر ، محمد سمراوي ص١٤٠ 

ولا يُلام ضعيف التفكير وبسيط التصوّر في بلد بعيد إذا انخدع بالدعاية الصدّامية، ولم يستمع إلا إلى صوت بغداد من إذاعة وتلفزيون بغداد إذا أيّد صدّامًا في احتلاله للكويت. ولا يعرف أن شعار “سأحرق نصف إسرائيل” أن صدّامًا بعدما يصرّح بذلك يتصل بالسفير السعودي في واشنطن ليطلب منه أن يبلّغ الحكومة الأمريكية ألّا تأخذ هذه التصريحات مأخذ الجد!” (غازي القصيبي، أزمة الخليج محاولة للفهم، ص٦٦). 

لكن يُلام ويُؤاخَذ من جلس مع الملك فهد وولي العهد آنذاك الأمير عبدالله (الملك) والأمير نايف في أثناء الأزمة، وسمع منهم خطر ما قام به صدّام ونواياه ثم بعد ذلك يصرّح بعضهم بالتأييد المطلق لصدّام، وبعضهم الآخر يستنكر الاحتلال ويجرّمه، لكنه يشترط شروطًا خياليةً تعزّز الاحتلال، وتسمح بنشر الفوضى في منطقة الخليج كلها. 

يقول الأمير نايف: “عندما حصل غزو العراق للكويت جاءنا علماء كثيرون، على رأسهم عبدالرحمن خليفة، ومعه الغنوشي والترابي والزنداني وأربكان وآخرون، وأول ما وصلوا اجتمعوا بالملك وولي العهد، وقلنا لهم: هل تقبلون غزو دولة لدولة؟ وهل الكويت تهدّد العراق؟ قالوا: والله نحن أتينا لنسمع، ونأخذ الآراء، بعد ذلك وصلوا إلى العراق، ونفاجأ بهم يصدرون بيانًا يؤيد الغزو العراقي للكويت)، ثم قال الأمير نايف معلّقًا على هذا التصرف: “هل هذا ما يجب فعله؟ وهل هذا الموقف يقتضي به العقل؟ وما هو مبرر أن دولة تغزو دولة أخرى، وتطرد شعبها من أرضه وبلده؟” (حوار مع صحيفة السياسة الكويتية ١٤٢٣/٩/١٨) 

كما أن الدكتور عبدالله التركي – وزير الشؤون الإسلامية السابق – في مذكراته (لمحات من الذاكرة)، وكان هو المكلَّف باستقبال الوفد، يحكي عن نتائج زيارتهم ولقائهم بالملك فهد ما يؤيد كلام الأمير نايف، وأن هناك بيانًا صدر عن الوفد، ووُزِّع في أوروبا، يؤيد صدّامًا، وكذلك ما صدر عنهم في وسائل الإعلام العراقية. يقول الدكتور عبدالله: “سافر الوفد إلى العراق – أي بعد اجتماعهم بالملك فهد – وفوجئنا بشخصيات من الوفد تتحدّث في وسائل الإعلام عن مناصرة صدّام حسين، وأنه سينتصر حتى لو استمرّت المشكلة عشرة أعوام، ولم يعد للوفد أثر، وأعلن بعض أعضائه انسحابه منه لما رأى من سوء تصرّفات بعض أفراده – يقصد كامل الشريف، وزير الأوقاف الأردني الأسبق، وقد سمّاه التركي في موضع آخر-، ويتابع الشيخ عبدالله التركي سرد حكاية الوفد بقوله: “وأذكر من المتابعات الدقيقة للملك فهد أنه أرسل إليّ وأنا في قصر المؤتمرات في جدة بيانًا كان يوزّع في دول أوروبا، أصدره بعض أعضاء الوفد، مستغرِبًا هذا البيان، وحينما تحدّثت معهم نفوه، فقلت لهم: أعلنوا براءتكم منه، فأعدّوا بيانًا وأرسلوه لإعلام خاصّ بهم، ولم ينشَر، وتبيّن أن الكلام تمويه وكذب. 

وأذكر أن أحد أعضاء الوفد طلب مقابلتي في غرفتي في القصر – قصر المؤتمرات – وعندما حضر قال: المملكة لم يتعرّض لها العراق، فلماذا تتّخذ هذا الموقف وتتبنّى القضية؟ فعجبت من كلامه، وقلت له: بأي منطق تتكلم؟! وهل الإسلام، وحقوق الجوار، وإقرار العدل، ورفع الظلم، يبرّر شيئًا من هذا التصرف؟ وذكّرته بلقاء سابق في باريس، وكان هو ضمن الحاضرين فيه قبل غزو العراق للكويت بأسبوع، تحدّث فيه أكثر من شخص يعملون في مراكز إستراتيجية بحثية، بأن هناك قلقًا من عدد من جهات عالمية، مما يقدّم للجاليات المسلمة والمراكز والجمعيات الإسلامية، من دعم من دول الخليج، وخاصة المملكة. 

وقلت له هذه بداية تأثر هذا الدعم، عبر إشغال دول الخليج بهذه الأزمة، وممّا يسهِم في تأثر هذا الدعم أن بعضًا ممن استفاد من دول الخليج يقف مواقفَ ضدها” (لمحات من الذاكرة، ص٢١٥).

ومن نماذج اشتراط بعض زعماء الجماعات والأحزاب الإسلامية شروطًا تعزّز الاحتلال وتنشر الفوضى ما ذكره الدكتور عبدالله التركي عن الحوار الذي تمَّ بين الملك فهد والوفد، وخاصة ما اقترحه نجم الدين آربكان، فيقول الدكتور عبدالله: “تحدّث نجم الدين آربكان – رحمه الله – في أمور خيالية من تكوين جيش إسلامي واقتصاد إسلامي، … وغير ذلك، وعدَّ أمورًا تصل إلى سبعة مقترحات، فقال له الملك فهد: هل ننتظر ونترك الكويت محتلًّا من العراق إلى أن تتمّ هذه الأمور؟ فلم يجب آربكان بأي جواب” (لمحات من الذاكرة، ص٢١٤). 

ولا يُؤاخَذ ولا يُلام شخص يعيش في بلد في شرق العالم أو غربه إذا لم يؤيد الكويت أو السعودية في الاستعانة بالقوات الأمريكية لإخراج العراق من الكويت، لأن السعودية والكويت لم تتعاونا مع أمريكا لإخراج المحتلّ من بلاده ولإعادتها إلى أهلها.

لكن يُؤاخَذ ويُلام بشدة أحد الإسلاميين المنتمين لجماعة الإخوان المسلمين، احتُلَّت بلده من قبل الاتحاد السوفييتي، فتعاونت المملكة والكويت مع أمريكا لإخراج المحتلّ السوفييتي وأعادت بلده إلى أهلها؛ فقد دفعت المملكة العربية السعودية والكويت بفلذات أكبادها شبابًا في عزّ شبابهم، فضلًا عن الغالي من الأموال، والعمل الدبلوماسي المضني في سبيل ذلك. ومع كل ذلك جاء موقف القائد الأفغاني حكمتيار من احتلال الكويت ليدلّ على انتفاء أي مبدأ أخلاقيّ أو وفاء للآخرين، فضلًا عن أن يكون مبدأً إسلاميًّا، فقد أصدر بيانًا بعد شنّ قوات التحالف الحرب على صدّام، وصف فيه المملكة والكويت بالدول العميلة للدول الكافرة؛ لأنها استعانت بالقوات الأجنبية لتحرير الكويت، فبعد أن دعا إلى وضع حدّ لتصرّفات أمريكا قال: “فلن يكون بوسع النظام الأمريكي الكافر، وعملائه الذين أحضروه إلى المنطقة…” (عدنان سعد الدين، مذكرات وذكريات، ص٣١٢). 

 بعد هذه الجولة من التأييد للمقاصد الجهنمية لأعداء الأمة في توريط صدّام في احتلال الكويت، والسير في ركابها، وتداعيات ذلك على العالم العربي من تقسيم وتفتيت للُّحمة وقطع للعلاقات واستنزاف ماديّ وعسكريّ وسياسيّ كان سببًا في ضرب صدّام وتدمير قوته. 
السؤال المهم : من الذي سار مع تلك الخطة ذات المقاصد الجهنمية للدول الاستعمارية ومن الذي وظف لصالح تلك الخطة ؟ 
من أيّد صدامًا في احتلال الكويت، أو رفض إلزامه بالانسحاب إلا بشرط انسحاب القوات الأجنبية، أو وضع شروطآ خيالية تزيد الموقف تعقيدآ كما حصل من الجماعات والأحزاب الإسلامية  ، أو من رفض ذلك كله وطالب صدام  بالانسحاب دون قيد أو شرط؛ كالسعودية 
بتبع الأزمة الثالثة

الأزمة الثالثة: الربيع العربي

 هي أمّ الأزمات وأم الكوارث، وهي أزمة الثورات العربية، سمّاها المحزونون على العالم العربي “الخريف العربي”، وسمّاها الفرحون بها “الربيع العربي”؛ فقد فرح بها كثير من المسلمين، وكثير كثير من العرب، وكأن لسان حال هؤلاء إنهم يعيشون في العالم وحدَهم، ليس معهم أحد، وليس هناك قوى عظمى ودول استعمارية لها ألف مطمع ومطمع في المناطق الثائرة، أو التي كادت أن تثور، وكأن تلك الدول الاستعمارية تنتظر من هؤلاء المسلمين والعرب بشغف أن يثوروا على الاستبداد، وتتمنّى من قلبها وبكل حب ووفاء ومودّة وسرور! منذ أربعة عقود أو خمسة أن يثوروا بحثًا عن حقوقهم وحريّاتهم المهدَرة وإنسانيتهم المهمَلة وكرامتهم الضائعة.

إن ما سبق هو تفكير وتصوّر للإنسان المسلم أو العربي البسيط والسطحي، ولو كان قرأ ألف كتاب في الشريعة أو السياسة أو الاقتصاد أو علم الاجتماع، فهرولته خلف مشروعات الدول الاستعماري أو خلف ما تباركه تلك الدول تبقيه إنسانًا بسيطًا سطحيًّا، ولو قرأ كلَّ ما قرأ. فمعرفة المنطق السياسي المعاصر – ولو لم يقرَأ حرفًا واحدًا- كافية في استشراف ما تباركه أو تحوكه وتكيده الدول الاستعمارية للأمة الإسلامية كمشروع الثورات، ومعرفة قوله تعالى: “ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم”[سورة البقرة: 120]، كافية في معرفة الدافع الخفيّ للثورات، ومعرفة مآلاتها ومقاصدها ونتائجها والمستفيد منها، ولكن عدم جعل الآيات حاكمة ومهيمنة على التفكير السياسي يوقع صاحبه حتمًا في الفخّ السياسي، وهذا ما حصل من بعض طلاب الشريعة والعقيدة، فكيف يجتمع زعماء الدول الاستعمارية على دعم الثورة ودفعها ومباركتها في بلد مسلم، ثم ننتظر من وراء ذلك للشريعة أن تُطبَّق، وللأمن أن يتحقَّق، وللرخاء أن يزدادَ ويزدهرَ؟! 

وكيف يجتمع الصليبي مع الصفوي على الدعوة للثورة وتغيير الحاكم في بلد مسلم، ثم ننتظِر أن تعود الكرامة والعزّة والتمكين للمؤمنين؟!

أين الرؤية الشرعية، وتحكيم النص في اجتماع هؤلاء الزعماء على أمر من شؤون المسلمين، فضلًا عن المنطق والعقل؟!

إن فهم هذه القواعد الأساسية في السياسة تقودنا إلى موضوعنا الأساسي، وهو أين تقف السياسة السعودية من مشروع الثورات (الربيع العربي)؟ وأين تقف سياسة الجماعات والأحزاب الإسلامية من المشروع نفسه؟ 

في رأئي  أن السياسة السعودية تخالف الجميع في الإجابة عن السؤال المهمّ: ما أول ثورة حدثت في العالم العربي تحت مسمّى “الربيع العربي”؟

ترى السياسة السعودية أن بداية ما يسمى “الربيع العربي” كان من العراق عام 2003م، ومن إسقاط صدّام حسين وإعدامه، أما الجميع فيرون أن البداية كانت من تونس. فمن كان هذا جوابه يتبين بُعْد نظره وعمق سياسته، فالسياسة السعودية كانت ضد الثورة على صدّام وإسقاطه بالتعاون مع المحتلّ، وواجهت ذلك سياسيًّا بقوّة، مع أنه ناصبها قبل عقد من الزمن تقريبًا العداوة وحشد جيشه على حدودها، لكن لعلمها أن ما يحاك للعراق وللمنطقة عامة من دمار وخراب وقتل وتشريد وإطلاق يد إيران لتصفية حسابها مع المسلمين وتصفية الوجود والنفوذ السنّي في العراق، وقطع علاقة العراق بالدول العربية؛ أعظم من وجود صدام أو مائة صدام  في الحكم عشرات السنين. فقد سئل الأمير سعود الفيصل قبيل احتلال العراق 2003م، هل تخشوْن الديمقراطية القادمة في العراق بعد إسقاط حزب البعث؟ فردّ على السائل ساخرًا: “تعتقد أن القادم للعراق هو قبعات جيفرسون؟ وماذا عن العمائم؟” (صحيفة الشرق الأوسط، 25/ 9/ 1436هـ، مقال: “في رثاء سعود الفيصل”).

بعد إسقاط صدّام انتهى المطاف بحكم العراق وشعب العراق والأمن في العراق، على ما توقّعته السياسة السعودية؛ ولهذا صرّح سعود الفيصل بعد ذلك بقوله: “إن أمريكا أعطت العراق لإيران على طبق من ذهب”.

ولو حَلَف شخص أن ملايين العراقيين ندموا على ثورتهم مع المحتلّ ضد صدّام لم يَحْنَث، واعترف بعضهم للسعودية ببُعْد نظرها وعمق سياستها تجاه إسقاط صدّام وما بعده، فقد اعترف السياسيّ حسن العلوي، الذي كان عضوًا في المعارضة العراقية، في كتاب له، حيث قال: “اعترفت…، وأعترف أن الأفكار السعودية كانت – لو أخذنا بها – أسلمَ طريقًا، ولكنّا احتفظنا بكيان سياسيّ عراقيّ موحّد مع القليل من التنازلات العقائدية والطائفية” (عبدالعزيز التويجري، الروح الجامعة، ص١١٦).

بعدها اعترف منظّر جماعة الإخوان المسلمين العراقي محـمد أحمد الراشد: “بأن الطريق بات مفتوحًا إلى مصر لإسقاط مبارك، ثم إلى السعودية” (الراشد، بوارق العراق، ص١٨٦). إذن لماذا يؤيد الراشد الثورة على مبارك، ويدعو إلى الثورة في السعودية ما دام يعرف الخطة الاستعمارية؟!

الإجابة صادمة: السبب الوحيد هو الشعور الثوري، والعاطفة الجياشة، وسلطة الجماهير، كما اعترف بنفسه! 

فيجب عقلًا ومنطقًا أن يشكروا ويشيدوا بمن نظر إلى الثورات بعقل ومنطق، كالسياسة السعودية.

ثمّ جاءت الثورة التونسية التي طار بها ومعها كثير من الأحزاب والجماعات الإسلامية، وعلى رأسها جماعة الإخوان المسلمين في تونس وغيرها، في الجهة المقابلة صرّح سعود الفيصل -رحمه الله – بقوله: “هذه ثورات مستوردة”؛ بعد سنوات من الثورات تبيَّن عمق هذه الكلمة. 

وفي مصر رفضت السعوديةُ الثورةَ على الرئيس مبارك، وقال الملك عبدالله – رحمه الله – كلمته متحديًا الدولَ الاستعماريةَ في دعمها للثورة على الرئيس  مبارك: “سأرمي بكلّ ثقلي لأجل الإبقاء على مبارك”؛ فالسعودية لا تريد عراقًا آخر في مصر، ولا تريد مشاهدة عضو الحرس الثوري الإيراني وفيلق القدس يتسكّع في شوارع القاهرة، كما تسكّع في شوارع بغداد؛ لعلمها أن رغبة الدول الاستعمارية هي إعادة تجربة العراق في بلدان عربية أخرى تحت مسمّى “الربيع العربي”، الذي يلتقي مع مشروع الشرق الأوسط الكبير، ومن أساليبه الفوضى الخلّاقة، فقد انتشر السلاح في مصر بعد الثورة عن طريق الحدود الليبية وغيرها من الطرق، وتكوّنت معه الجماعات المسلّحة، وزاد عدد الأحزاب السياسية، وزاد معها الدعم الماليّ الخارجيّ لها، وزاد النفوذ الإيراني، وزاد الاحتقان بين الأحزاب السياسية، لكن الله سلّم مصرًا بعد ذلك، كما هو معلوم.

وما يحصل في ليبيا حتى وقت كتابة هذه السطور شاهد على ما وراء الثورات، وكما حصل في اليمن من فوضى وانقسامات، ثم انقلاب الحوثي المدعوم من إيران الصفوية على الحكومة الشرعية، لكن السعودية ومن معها من دول التحالف تصدّت له بعاصفة الحزم لإفشال خطة الدول الاستعمارية القائمة على فكرة الفوضى والدمار وتمكين إيران الصفوية من اليمن.

وكادت دولة البحرين أن تسقط في وَحْل الفوضى وتمكين الفصيل المدعوم من إيران الصفوية، بدعم من الدول الاستعمارية، لكنّ الله حماها بمواجهة السعودية وبقية دول الخليج لهذه الخطة، ليس بالعمل السياسيّ هذه المرة؛ بل بالتحرّك العسكريّ بواسطة “درع الجزيرة”. تقول هيلاري كلنتون في مذكراتها (الخيارات الصعبة): “أفادنا ملحقنا العسكري في سفارتنا في الرياض الأحد 13 مارس 2011  عن تحرّك غير عاديّ للقوات في المملكة العربية السعودية قد تكون متوجّهة إلى البحرين؛ اتّصل جيف بوزير الخارجية الإماراتي الشيخ عبدالله بن زايد آل نهيان؛ ليؤكّد أن التدخل العسكري يوشك أن يبدأ، وستدعو حكومة البحرين جيرانها إلى مساعدتها على ضبط الأمن وتعزيزه، لم يرَوْا ضرورةً لإبلاغ الولايات المتّحدة ولم ينووا كذلك سؤالنا أو سماع أي توسّل لوقف هذه العملية، وفي اليوم التالي عبّرت آلاف القوات السعودية حدود البحرين مجهّزةً بمئة وخمسين عربةً مدرّعةً، وتبعها خمسمئة شرطيّ من الإمارات العربية المتّحدة. تكلّمت مع وزير الخارجية السعودي سعود الفيصل وحثّته على الامتناع عن استخدام العنف لتفريق المحتجّين، وأمهلنا قليلًا كي تنجح المفاوضات، حيث كما قلت أربع وعشرون ساعةً كافيةٌ لإحداث الفارق وأوشكنا التوصّل إلى اتفاق مع الحزب السياسي الشيعي الرئيس لينسحب من العاصمة، على أن تؤكّد الحكومة حق الاحتجاج السلمي، والبدء في حوار حسن النية؛ ولكن ثبت سعود الفيصل على موقفه: يجب على المحتجّين أن يعودوا إلى منازلهم لتعود الحياة الطبيعية إلى مجراها على ما ورد. بعد ذاك فحسب يمكننا التحدّث عن اتفاق، وأنحى باللائمة على إيران في إثارة المتاعب ودعم المتطرفين، آن الأوان لإنهاء الأزمة وإعادة الاستقرار إلى الخليج على ما أضاف” (ص٣٤٦- ٣٤٧).

ما سبق هو موقف السياسة السعودية الواضح جدًّا من خطّة الدول الاستعمارية لتدمير العالم العربي وتخريبه وتشتيته وتشريده واستنزافه، وتمكين إيران الصفوية من بلاد أهل السنة تحت مسمّى “الربيع العربي”، وهو جزء من مشروع الفوضى الخلّاقة، وهي وسيلة من وسائل  تحقيق الشرق الأوسط الكبير.

في المقابل نقرأ ونرى الدعم الكبير والمباركة العظيمة والدفع القوي والسير الحثيث في ركاب هذا المشروع لدى الجماعات والأحزاب الإسلامية. فنبدأ بأخطر موقف وأوضحه في تأييد هذا المشروع، وهو ما صدر عن زعماء حزب العدالة والتنمية التركي، وخاصةً زعيمه الرئيس رجب طيب أردوغان، فقد صرّح في مناسبات وحوارات عدّة بأنه “جزء من مشروع الشرق الأوسط الكبير، وأنه اتّفق مع الأمريكان على قيادة هذا المشروع” (منشور على الشبكة العنكبوتية).

وصرّح بذلك وزير خارجيته المفكّر ومنظّر حزب العدالة والتنمية، الدكتور أحمد داود أغلو، في 31 يوليو2012م، فقال: “المنطقة تشهد تغيّرًا كبيرًا؛ فإما القبول بشرق أوسط جديد أو القبول بالفوضى”، وأضاف: “إن التغيير الذي تشهده المنطقة يعدّ التغيير الأهمّ والأكبر في المئة عام الأخيرة”، وقال في 3/ 10/ 2012م على قناة الجزيرة: “إن تركيا ومصر ودول المنطقة ستؤسس الشرق الأوسط الجديد”. ونشرت صحيفة (يني شفاق)، المقرّبة من حزب العدالة والتنمية في 30/ 1/ 2004م، خبر لقاء بوش الابن بأردوغان في البيت الأبيض في 28/ 1/ 2004م، وعرض الأول على الثاني معالم المشروع الأمريكي الجديد (الشرق الأوسط الكبير)، وبحسب الصحيفة فإن المشروع طبقًا لما عرضه الرئيس الأمريكي جعل من تركيا عمودًا فقريًّا فيه.

لقد نفذه زعماء الحزب على أرض الواقع، فقد كان أردوغان داعمًا ومشجّعًا  للثورات التي قامت في العالم العربي.

ثم نأتي إلى أكبر الجماعات الإسلامية، وهي جماعة الإخوان المسلمين، بجميع فروعها في العالم العربي، فقد أيّدت الثورات، ومثلها غالب الأحزاب الإسلامية، ومثل هذا لا يحتاج إلى التدليل عليه وإثباته؛ لظهوره وبروزه. فالميادين التي ثاروا عليها تشهد، والفضاء الإعلامي والشبكة العنكبوتية يشهدان، لكن الأخطر من ذلك كله هو دعوتهم لتصدير الثورات في جميع دول العالم العربي، وأخطر تلك الدعوات هي الدعوة إلى الثورة في دول الخليج، وعلى رأسها السعودية، والتي دعا إليها بعض زعماء تلك الجماعات والأحزاب الإسلامية، فقد أيّد الثورة في البحرين المدعومة من دول الاستعمار، بالتعاون مع الدولة الصفوية، وذراعهما في تنفيذ المشروع في العالم العربي دولة قطر.

 حاكم المطيري، مؤسس حزب الأمّة الإسلامي، كتب عدّة مقالات في تأييدها، ومثله طارق السويدان، وإن كان تراجع بسبب موجة الاستنكار عليه. كما أيّد ثورة البحرين كمال الهلباوي، عضو جماعة الإخوان، بل شنّع على دخول درع الجزيرة لإخماد الثورة، والهلباوي لا يستنكَر عليه؛ لأنه ممن يرى أن الخميني وخامنئي في جهادهما وزهدهما  يذكرانه بجهاد وزهد أبي بكر الصديق وعمر بن الخطاب – قبّحه الله على هذا التشبيه -.

أمّا الدعوة إلى الثورة في السعودية فقد تمنّاها القيادي الإخواني يوسف ندا، ففي مذكراته يقول: “إن الثورة القادمة من المحتمل أن تقوم في المملكة والخليج، هذه أكثر الدول عرضة لذلك” (مذكرات يوسف ندا، الإخوان المسلمين من الداخل،ص١٥٢)، وقال أيضًا: “إن في السعودية دكتاتور”. بعدها أثنى على النظام الأميري في قطر وسماه “الديمقراطية البرجوازية”، وأنه ملائم لها ولا يلائم مكانًا آخرَ، بخلاف السعودية، فهناك سادة وعبيد” (المصدر السابق، ص157 – 158، فالمعيار في التفضيل هو القرب أو البعد عن جماعة الإخوان، وليس القرب أو البعد عن الإسلام وعقيدته، أو حتى عن الديمقراطية التي يدّعونها. ولا يُسْتَنْكَر عليه إذ كان يرى أن عصر الدكتاتوريات والاستبدال بدأ من الصحابي معاوية رضي الله عنه.

وقال راشد الغنوشي في معهد دراسات الشرق الأدنى في واشنطن: “إن الثورات تفرض على الملكيات العربية اتخاذ قرارات صعبة، فإما أن تعترف بأن وقت التغيير حان، أو أن الموجة لن تتوقّف عند حدودها، لمجرد أنها نُظُم ملكية. الجيل الشاب في السعودية لا يعتقد أنه أقلّ جدارةً بالتغيير من رفاقه في تونس وسوريا”. المصيبة أن يقول الغنوشي هذا في معهد معروف بميوله الصهيونية، بل إنه قال في المحاضرة نفسها: “إن الدستور التونسي الجديد يخلو من أي مادة تمنع التطبيع مع إسرائيل” (منشور على الشبكة).

وقال منظّر جماعة الإخوان المسلمين العراقي محـمد أحمد الراشد في كتابه  “نظرية التغيير” بعد ذكر فرحه وإشادته بالثورات التي قامت: “كل ذلك يوجب صياغة نظرية التغيير في كل بلاد العرب، وفي إيران وفِي كثير من بلاد المسلمين، وذلك أن الشروط والظروف الموضوعية التمهيدية قد أنضجت الأمر” (ص٣). وكان من رأيه: “أنه لم يمنع جماعة الإخوان المسلمين  من الدعوة إلى الثورة في السعودية والإمارات وغيرها من دول الخليج إلا عدم وصول الإصلاحيين للحكم في إيران، خشية أن يستغلَّ المتشددون الإيرانيون الثورة على دول الخليج” (الراشد، الردة عن الحرية، ص75 – 76). وهذا استثناء خاص به، فإن بقية الجماعة لا يرون رأيه، فهم أصدقاء وحلفاء لإيران فلا يرون فيها خطرًا على دول السنة؛ ولذلك فلا مانع لديهم من الدعوة إلى الثورة في السعودية، سواءً وصل الإصلاحيون إلى الحكم  أم لم يصلوا. وعلى العكس من ذلك فهم لا يرون الدعوة إلى الثورة في إيران؛ لزعمهم أن ثورة إيران قد قامت مباركة ومجيدة على يد الخميني، وهي في نظرهم أول ثورة تحكم بالإسلام  منذ مئة عام، بل هي ثمرة من ثمار الصحوة الإسلامية، وإشراقة من إشراقات الإمام الحسين، كما مرّ معنا في السابق.

وممن دعا إلى الثورة في السعودية الإخواني عزام التميمي، فقد قال عشية تنحّي الرئيس المصري حسني مبارك: “أنا أدعو الله أن يثور الشعب السعودي ويسقط الملك”، وذلك في لقاء بينه وبين عبدالباري عطوان على قناة الحوار في لندن. وممن دعا إلى الثورة في البلدان التي تحكمها الأسرة الواحدة الإخواني كمال الهلباوي، فقال: “لأن هذه الدول أساءت التوريث؛  إذ أراه سببًا من أسباب تخلّف الأمة” (الهلباوي، رئيس انتقالي.. صورة مستمرة، ص291).

وفِي الهند دعا عضو الجماعة (سلمان الحسني) إلى إسقاط الحكومة السعودية، ودعا الحاضرين إلى متابعة قناة سعد الفقيه وإذاعة المسعري.

وفِي الخليج دعا بعض الإسلاميين إلى الثورة في السعودية تزامنًا مع ما حصل في تونس ومصر،  مثل الكويتي حامد العلي، حيث قال: “هيا يا أسود العزّ، ضعوا على رؤوسكم تاج الحرية وانزلوا ساحة التغيير الأكبر، وأطلقوا صيحة “الشعب يريد أن تكون النهضة الكبرى من هنا يا شعوب الجزيرة العربية”، وفي تغريدة أخرى له لما منعت الحكومة السعودية التبرعات غير المصرّح لها، فقال: “تقولون منع التبرع؟! قلنا لكم الحل ربيع يعيد السلطة للشعب؛ ليضع حكومته ويحاسبها ببرلمان؛ وينزع الثقة منها إن حادت عن أهداف أمتنا ونصرتها… اصحوا”. ومثله من أبناء الخليج العاقّين حسن الدقي، المراقب العام لجماعة الإخوان المسلمين فرع الإمارات سابقًا، وأمين حزب الامة الاسلامي فرع الإمارات فقد دعا إلى الثورة بكل حماس في كل حوار في جميع الدول الإسلامية، وخاصة في السعودية والإمارات، بل كان يقول: “إن في السعودية ملكًا صنمًا من الأصنام يجب أن يزال” (منشور على الشبكة).

وأكثر خطورة وأعظم هؤلاء جرمًا وسفهًا أن يدعوَ شرذمة قليلون من أبناء السعودية إلى الثورة فيها تحت شعار إعادة الخلافة الراشدة، وأسّسوا حزبًا سياسيًّا سمّوه “حزب الأمة السعودية”، ليعمل على ذلك، وليكون امتدادًا لأحزاب الأمة الأخرى في العالم العربي، وكان من آرائهم: “أن الربيع العربي يجب أن يبدأ من السعودية، وينطلق منها حتى يحدث التغيير الصحيح والعميق في الأمة الإسلامية، وعيّنوا لهذا الحزب أمينًا سعوديًّا زعموا فيه الولاية، ولقّبه أحدهم بالمجاهد الكبير والمهاجر الغريب، وانتسب إلى الخلفاء الأمويين، وأنه من نسل يزيد بن معاوية – مع أن هذا النسب مختلف في صحته -، وعيّنوا سعوديًّا يحمل درجة الدكتوراة رئيسًا لهذا الحزب، فطلب من أعضاء الحزب أن يبايعوه على الكفر بالطاغوت ، وعرفوا الطاغوت بأنه الحكومة السعودية وغيرها من الحكومات. ( شهيد الهجرتين وفقيد الغربتين ، تأليف حاكم المطيري ص٢١٣ ).

وبعد أن انتقل الأمين العام إلى تركيا أقام ندوات ولقاءات عدة للدعوة إلى إسقاط الحكومة السعودية، وكان يحضر هذه اللقاءات وجدي غنيم، ويشارك فيها الإخواني عزام التميمي، ثم يأتي بعد هذا التعاضد والتعاون بين هذه الجماعات والشخصيات الإسلامية على الدعوة إلى الثورة في السعودية وإسقاط الحكم فيها. من يستنكر قرار وزارة الداخلية السعودية القاضي بمنع  الانتماء لجماعة الإخوان المسلمين في السعودية والتعاطف معها؟!

والأعجب من ذلك كله ان يصاحب الدعوة للثورة في السعودية دعوةٌ إلى إعادة العلاقة مع إيران، والسماح للسياحة الإيرانية في البلدان العربية التي قامت فيها الثورات، والسياحة الإيرانية أبعد خطرًا من العلاقات الدبلوماسية، التي ليس من مقتضياتها إقامة العلاقات الثقافية والسياحة؛ لكن – مع الأسف – بعد قيام الثورات صار هناك سباق محموم  وماراثوني من قبل كثير من الإسلاميين باتجاه إيران وتمتين العلاقة معها، والسماح للسياحة الإيرانية في البلدان التي كان محظورًا على الإيرانيين أن يدخلوها كمصر؛ بل بكلّ حزن وأسى أقول: إن العلاقات الثقافية والفكرية والسماح بالسياحة – وليس الدبلوماسية فقط – مع إيران، صارت السمة البارزة التي تميّز حكم الإسلاميين في البلدان التي وصلوا فيها إلى الحكم، كتركيا والسودان ومصر وتونس؛ ففي تركيا كان من أسباب انقلاب العلمانيين على حكم نجم الدين أربكان – رحمه الله – فتح العلاقة الدبلوماسية والفكرية والعسكرية مع إيران، على الرغم من علمه بمعارضة الجيش العلماني، فقد عقد أربكان اتفاقية تعاون صناعي عسكري مع إيران، والتقى مستشاره بعض مسؤولي وزارة الدفاع الإيرانية سرًّا، ومن ذلك أيضًا السماح للسفير الإيراني بالمشاركة في المناسبات، كيوم القدس، تحت ذريعة مناهضة الصهيونية (انظر: إسماعيل الشطي، الإسلاميون وحكم الدولة الحديثة، ص181).ثم جاء زمن حزب العدالة والتنمية بزعامة أردوغان، ففتح العلاقة على مصراعيها أكثر وأكثر.

بل إن الإخواني محـمد أحمد الراشد في كتابه “تنظير التغيير” لم يتحمّل تساهل ومساهمة أردوغان في إدخال إيران في تركيا، وشدّد جدًّا على تساهله مع الاختراق الإيراني للمجتمع التركي السني، وعابه على عدم اهتمامه بذلك. 

وفِي السودان، الذي يسير الحكم فيه على فكر جماعة الإخوان، فقد توسّع في العلاقة مع إيران إلى الثقافة، والسماح بالدعوة إلى التشيّع وفتح مراكز للقيام بالمهمة الفكرية والدعوية، حتى تشيّع بعض السودانيين، ولا ننسَ أن الترابي، وهو من مؤسسي فكر الدولة الحاكمة في السودان من أكبر المؤيدين للخميني.

وممن انتقد الحكومة السودانية على السماح لإيران بالدعوة إلى التشيّع المراقب العام لجماعة الإخوان المسلمين في سوريا عدنان سعد الدين، فقد قال: “إن النشاط الشيعي في السودان استفحل، فقد اخترقوا الجامعات تحت مسمّى خطّ الإمام، فقد كانوا يدفعون للطالب مئة دولار في الشهر، وعن طريق المتعة” (عدنان سعد الدين، مذكرات وذكريات، ص236).

لكن مؤخرًا بعد التقارب السعودي مع حكومة البشير السودانية أغلقت الأخيرة ثمانية مراكز تابعة لإيران؛ وهذا مثال على الأثر السعودي السياسي والعقدي، مقارنةً بفكر جماعة الإخوان المسلمين سياسيًّا وعقديًّا.

وفِي تونس بعد الثورة وُقِّعت عدّة اتفاقيات بين الحكومة التونسية وإيران، ومن ضمنها اتفاقية السياحة الإيرانية في تونس، حيث تبنّت هذه الاتفاقية حركة النهضة التابعة لجماعة الإخوان، وهي جزء من الحكومة الحالية، فقد قال عضو الحركة العجمي الوريمي مبررًا هذه الاتفاقية: “إن إيران دولة إسلامية، وتونس تسعى إلى تمتين الروابط معها من خلال الثقافة والتجارة والسياحة” (مجلة العربي الحديث).

ولا غرابة في هذا الموقف؛ فزعيم حركة النهضة الغنوشي من أكبر حلفاء الخميني، ومن أكبر المؤيدين له فكريًّا وسياسيًّا كما مرّ معنا .

وفِي مصر، القلعة المصونة من دنس إيران، فقد كانت العلاقات بينهما مقطوعةً جدًّا وكانت محاولات إيران لإعادتها دائمًا ما تنتهي بالفشل، بل إنهم حاولوا الدخول من باب الثقافة والسياحة، من دون العلاقات السياسية والدبلوماسية، لكن الطلب رُفِض بشدّة، يقول وزير الخارجية المصري السابق أحمد أبو الغيط – ومع الأسف أنه كان ممن يضغط على الرئيس حسني مبارك لإعادة العلاقة مع إيران -: اقترح وزير الخارجية الإيراني منوشهر متّقي لإعادة العلاقة مع مصر البدء كمرحلة أولى إلى تطوير الاتصالات الثقافية والسياحية…، وأن أعرض الأمر على الرئيس حسني مبارك، الذي عقّب بقوله: “إن الإيرانيين يرغبون في إرسال الآلاف من السياح الشيعة…، ثم يخترقون المجتمع المصري. ثم قال: أرسل للأجهزة الأمنية لتردَّ بعدم الموافقة” (أبوالغيط، شهادتي، ص388).

هناك مواقف للرئيس مبارك ضد تصرّفات إيران السياسية والأمنية في مصر والخليج كثيرة، لكننا نكتفي بهذه الحكاية لنقارنها بموقف قادة ومفكّري الجماعات والأحزاب الإسلامية في مصر تجاه العلاقة مع إيران ليست العلاقات الدبلوماسية فحسب، بل السياحة ليكون البدء بأهمّ شخصية من المنتمين للأحزاب الإسلامية بعد الثورة، وهو المهندس خيرت الشاطر الرجل الأقوى في جماعة الإخوان المسلمين والرأس المدبّر لها، فقد أسّس شركة طيران خاصة تحت مسمّى الاستثمارات الإسلامية، لنقل خمسة ملايين سائح إيراني سنويًّا إلى مصر. وهذا ما جعل الإخواني العراقي  محـمد أحمد الراشد : يحمد الله على أن خيرت الشاطر لم يصل إلى الحكم في مصر بسبب هذه السقطة السياسية. (الراشد، الردة عن الحرية، ص55). ومع الأسف فإن هذا ما سارت عليه حكومة مرسي.

وممن نادى بعودة العلاقات مع إيران وفتح السياحة أمام الإيرانيين عصام سلطان رئيس حزب الوسط، وكذلك الدكتور سليم العوا (حوار متلفز معه لبرنامج العاشرة مساء).

يقول عبدالله النفيسي: كنت في زيارة، أيام مرسي، لمصر مكثت فيها فترة، والتقيت بكبار المسؤولين هناك، دون أن أسمّي أي شخص، وجدت نشاطًا لإيران داخل مصر يفوق نشاطها حتى في دول الخليج، يريدون كسب مصر وأخذها من العرب (منشور على الشبكة).

وذهب وفد من مشايخ السعودية لمناصحة حكومة مرسي، واجتمعوا مع بعض الوزراء وبعض أعضاء مكتب الإرشاد الإخواني وناصحوهم عن خطر العلاقات مع إيران الصفوية وخطر بثّ سمومها وعقيدتها داخل المجتمع المصريّ السنّيّ، لكن كما يقول أحد هؤلاء المشايخ: رجعنا بخفيْ حنين، فلم يستجب الوزراء للنصيحة.

وكتب الشيخ ناصر العمر في حسابه في تويتر بعد تنحية الرئيس مرسي: “إيران تبادر بالاعتراف بالانقلاب في مصر، هل كان مرسي يتوقّع ذلك عندما مدَّ يده إلى إيران وأدخلها مصر، مع نصح الناصحين له، وتحذيره من غدر المجوس؟”.

لعل القارئ يلاحظ عدم التطرّق للثورة السورية على النظام المجرم في سوريا، مع أهمّيتها وحضورها القويّ جدًّا في الفضاء السياسي العربي والعالمي، بعكس ما يتصوَّر البعض، فالثورة السورية تؤكّد القاعدة، وهي أن السياسة والاستراتيجية السعودية عكس ما تطلبه السياسة والاستراتيجية الاستعمارية، وضدّ توجّهاتها، فالدول الاستعمارية ضدّ إسقاط النظام السوري، وفي المقابل فإن السعودية من أشد المنادين والداعين لإسقاطه بالسياسة أو بالقوة العسكرية؛ فبإسقاطه يسقط معه مشروع الهلال الشيعي، الذي هو أحد مشروعات الدول الاستعمارية. 

من خلال ما مرَّ معنا لابد أننا فهمنا وأدركنا  من الذي سار ومشى وهرول خلف مشروع الشرق الأوسط الكبير أو الجديد ووسيلته الفوضى الخلّاقة تحت مسمّى “الربيع العربي” ونتائجه الظاهرة للعيان، من تدمير وتخريب وتشتيت وفوضى وحرب أهلية في العالم العربي، وتمكين للدولة الإيرانية الصفوية من اختراق المجتمعات السنية والهيمنة عليها.

وعرفنا من الدولة الوظيفية؟! هل هي الدولة السعودية، التي من خلال ما مرَّ معنا كانت ضد المشروع بكل معاني الضدّ، أم الجماعات والأحزاب الإسلامية، وعلى رأسها جماعة الإخوان المسلمين، التي كانت مع المشروع بكل معاني الإمَّعَة؟

الاستاذ :خالد بن عبدالله الغليقة 

التعليقات

رد واحد على “الاستعمار الجديد وموقف الدولة السعودية والجماعات والأحزاب الإسلامية منه : قراءة في المواقف والتصرفات”

  1. يقول الوريف:

    كتاب قيم جداًً
    يزيل الغطاء عن العقول الحايره

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.