وقفات عند أزمة اختفاء الأستاذ جمال خاشقجي

تكبير الخط تصغير الخط
الحمد لله وحده والصلاة على من لا نبي بعده وعلى آله وصحبه ومن نهج نهجه وبعد :
فإن قصة إخفاء الأستاذ جمال خاشقجي أو اختفائه وما قيل عن مقتله أمر خطير ، وكانت طريقة الكثيرين في التعاطي معها أشد خطراً ، ولذا رأيت من الحق علي أن أكتب هذه الكلمات أسأل الله تعالى أن ينفع بها:
أولاً :العجلة في الحكم على الحوادث واتخاذ وضع القاضي دون ترو أو تثبت ومع الافتقار لكل المعطيات اللازمة للحكم هو مما نهى الشارع الحكيم عنه وأمر بخلافه في قوله تعالى﴿يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبإ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين﴾ [الحجرات: ٦].
وقد اشتغل الكثيرون منذ أن ظهر الخبر في إطلاق التهم جُزافاً على أطراف مختلفة تبعاً لهوى أنفسهم أو تبعاً لوسائل إعلام ذات أغراض سياسية دون أدنى ورع أو خوف من الله تعالى بترك التبين المأمور به رغم معرفة الجميع بالآثار الخطيرة من هذا الانجراف في الرأي على العلاقات السياسية والشعبية بين المسلمين ، وعلى ذوي الضحية وأهله وأبنائه.
ولا يخفى على الكثيرين أن حوادث مثل هذه أو أقل شأناً قد قامت بسببها حروب جسام ذهب ضحيتها الملايين كما حدث في الحرب العالمية الأولى التي قامت بسبب مقتل الآرشيدوق النمساوي فرانز فرديناند على يد طالب قد جندته إحدى العصابات المأجورة فكان عاقبة ذلك ما كان من السوء على العالم أجمع.
فالواجب في مثل هذه الحالة الصمت وتدارك عثرات اللسان وترك الأمر لأهله من المتخصصين وحث القادة وأهل القرار في البلدان المعنية على الروية والحذر وتقديم المصالح العامة على حظوظ النفوس حتى يحق الله الحق ويبطل الباطل.
ولنتذكر دائماً قول الرسول صلى الله عليه وسلم(وهل يكب الناس في النار على وجوههم إلا حصائد ألسنتهم)
وقوله عليه أفضل الصلاة والسلام (إِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مَا يَتَبَيَّنُ فِيهَا يَزِلُّ بِهَا فِي النَّارِ أَبْعَدَ مِمَّا بَيْنَ الْمَشْرِقِ)
وليس أعظم من العجلة في الحكم وتحميل الدول والقادة دماء الناس وأموالهم دون تبصر ، مع المعرفة بما ينتج عن ذلك من الشر والقطيعة .
فلا غنى للإنسان في مثل هذه الأزمات عن الرفق والروية حتى تنجلي الأمور لاسيما وقد كُفِي مغبة ذلك.
ثانياً :المملكة العربية السعودية منذ تأسيسها الأول وحتى اليوم أبعد دول الأرض عن الدناءة في التعامل مع خصومهاومخالفيها ، فلم يُعرف عنها الاختطاف ولا الاغتيال ، وكم كان لها في تاريخها من المعارضين كغيرها من دول العالم حال نشأتها وتطورها وازدهارها، فهي إما أن تكون احتوتهم فملكتهم بالإكرام ، أو كانوا ممن لا يُصلِحهم احتواء ولا إكرام فتتركهم حتى تُسقِطهم الجماهير ورديء أعمالهم ، ولدينا من ذلك قصص عدة انتهت كلها بانتصار الحق وانكسار الباطل ؛ وفي وقتنا الراهن ، من الظلم المحض أن نبادر إلى الشك في دولة محورية في العالم الإسلامي لم تشهد الأيام اتخاذها مثل هذه السياسة في يوم من الأيام ، ولم تُلجئها الحاجة إلى اتخاذها؛ بل إن القرائن الكثيرة تنفي هذه الفرية عنها ، ومن هذه القرائن :
١- أن الأستاذ جمال خاشقجي لم يكن أسوأ المختلفين معها حتى تختاره من بينهم بمثل هذا العمل الجبان ، بل إنه في كل كلماته ومقالاته التي اختلف فيها مع بعض سياسات الدولة يترك الطريق وراءه مشرعة للعودة ولا يقطع كل سبل التراجع ويحتفظ دائما في يده بحبل موصول معها ، على عكس من سبقوه في هذا المنحى ممن يصح تسميتهم معارضين سياسيين ، أما هو فمن الصعب تصنيفه معارضا ؛ بل هو مختلف بشدة وحسب .
٢-أن السعودية قد التزمت على لسان ثاني رجل في الدولة بفتح قنصليتها للتفتيش من قِبَل الأمن التركي ، ولمَّا لم يستجب الأمن التركي استدعت الصحفيين من وكالة رويترز للأنباء وجالت بهم في كل جهات القنصلية وكانت النتيجة كما شاهدها الجميع .
٣-لو كان خاشجي مطلوباً من جهات الأمن السعوية لكان للسعودية حق في احتجازة في مبنى القنصلية وتسليمه للبوليس الدولي لإعادته للمملكة ، دون أن تكون في حاجة إلى مثل هذه المخاطرة بسمعتها .
٤-أن المجرم المتربص يرتكب جريمته في مكان لا يكون مدعاة للشك فيه ، فكيف يُتصور
أن السعودية اختطفت الرجل من جوار قنصليها مع أن لها مندوحة بأن تفعل ذلك في مكان يبعدها عن أن تكون محل شك فيه ، والعكس صحيح أيضا ، فإن الذي تعمد إخفاءه من جوار القنصلية السعودية طرف آخر يقصد إلصاق الاتهام بالسعودية.
٤- أرسلت السعودية فريقاً للمشاركة في التحقيق ، ووافقت الجمهورية التركية الأمر الذي يعطي انطباعاً بثقة المملكة من براءة ساحتها ، وثقة تركيا من براءة ساحة المملكة .
٥- جمال خاشقجي ليس رجلاً غِراً من السهل أن يُخدع ، فقد عمل سنوات نشطة مليئة بالأحداث إلى جانب رئيس الاستخبارت السعودي الأمير تركي الفيصل ، ولذا فهو يمتلك حساً أمنياً متقدماً إضافة إلى ثقافته السياسية والتاريخية العريضة ، ورجل مثل هذا من الصعب أن يقع في كمائن ساذجة ، فهو يزور الممثليات السعودية العديدة في عدد من الدول، ويلتقى المسؤولين السعوديين في المناسبات العامة ، ولو كان لدى الرجل أدنى شك في إيقاعه بكمين من أي نوع لما أقدم مطمئنا على زيارة القنصلية ؛ والحس الأمني لدى رجل مثله قرينة لا يستهان بها.
ثالثاً :إذا أردت أن تعرف المتهم فابحث عن المستفيد ، والسعودية ليست مستفيدة أبداً من أي أذى يصيب أياً من مواطنيها في الخارج ، والمعارضون بشكل أخص ، فليست في حاجة إلى إشكالات دبلوماسية أو اتهامات ، وهي تعلم جيداً آثار مثل هذه الأعمال على الرصيد الدولي الذي تسعى لحشده في مواجهة خصومها.
وهناك دول بعينها مستفيدة من إلحاق الأذى الدبلوماسي والسياسي بالسعودية سعياً منها للوقوف فيوجه نجاحاتها في الحشد السياسي والدبلوماسي واستمالة ميزان القوى الدولية لصالحها ؛ وأيضا دق الأسافين أمام أي تقارب في العلاقات بين السعودية وتركيا ، لما يمثله هذا التقارب من خطورة على هذه الأطراف .
هؤلاء هم المستفيدون من إيذاء صحفي مثل جمال خاشقجي له علاقاته الدولية وسمعته الكبيرة ومن الكتاب العرب النادرين الذين يكتبون في كبرى المجلات العالمية ومنها الواشنطن بوست .
رابعاً : لا تغتر أخي القارئ بتهاويل الجهات الإعلامية المغرضة ، فمنذ بداية الحادثة ووكالة رويترز وقناة الجزيرة يمطراننا بتصريحات ما يزعمون أنه”مسؤول في الشرطة التركية” يؤكد كون خاشقجي داخل القنصلية ثم يؤكد مقتله ووجود جثته مقطعة بعد التعذيب ويبشر بشريط فيديو يؤكد ذلك.
وبعد ذلك يأتي رأس الدولة التركية لينسف كل هذه الأخبار ويؤكد عدم ثبوت مقتله ، ولا يلقي التهمة على أي طرف.
فهذه الجهات قد ثبت لديك الآن تعمدها الكذب الصراح ،فلتكن أخي القاريء في كامل وعيك وأنت تتابع الإعلام المغرض واحفظ عقلك ولسانك من مغبة الانقياد له .
خامسا:كشفت هذه الأزمة كغيرها من الأزمات كثيراً من الوجوه المتبرقعة ببرقع العدل والحرية والحقوق فبانت أوجها حاقدة متربصة ببلادنا الدوائر ، فرغم فراغ جعبتهم من أي مستند يُدين بلادنا ، ورغم أن القاعدة العدلية:”المتهم بريء حتى تثبت إدانته”ورغم أن قِيَم الحرية تقضي بأن لا يتخذ المرء من نفسه مُدَّعياً وقاضياً ، إلا أنهم نبذوا هذه القيم تحت أرجلهم حينما رأت أبصارهم العُشْو أن ثمة أزمة في طريق بلادنا غابت عنهم بصائرهم وطاروا بها فرحاً ، وإنها إن شاء الله منقلبة عليهم (وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون).
سادساً :رسالة إلى الكاتب السعودي من مختلف التوجهات ، أقول له قف مع دولتك ووطنك فَثَمَّ الحق إن شاء الله ، ولا تغرنك الشعارات فطالما رأيناها في عالمنا العربي والإسلامي وأول من يتخلى عنها حاملوها عند أول فرصة ينتهزونها ، ولم يثبت طيلة مائة عام على حقيقته وشعاره إلا هذه الدولة زادها الله عزاً وتمكيناً بطاعته وصرف عنها كيد الكائدين.
د.محمد بن إبراهيم السعيدي

التعليقات

41 رد على “وقفات عند أزمة اختفاء الأستاذ جمال خاشقجي”

  1. يقول غير معروف:

    احسنت اخي العزيز . كلام منطقي من رجل عاقل و مدرك ومتابع الاحداث

  2. يقول علي الرمثي:

    بارك الله فيك

    يصب في كبد الحقيقه

  3. يقول غير معروف:

    توضيح جميل

  4. يقول عبدالله الحسين:

    ‏بارك الله فيك دكتور محمد وكثر الله من أمثالك.

  5. يقول علي القرني:

    الله كم نحن في أمس الحاجة لمثل هذا المقال كم أنت رائع مقال بألف مقال

  6. يقول غير معروف:

    لا فُض فوك د محمد وكثر الله من امثالك وحفظ الله بلدنا وقادتنا من كل مكروه

  7. يقول Khaled Mohiddeen Bukhari:

    جزاك الله خير.

  8. يقول رمضان الشهري:

    أحسنت غاية الإحسان يا دكتور محمد

  9. يقول علي الحريري:

    كلام منطقي وبتسلسل علمي رائع وبحجج داحضة
    وفقك الله وحفظك

  10. يقول غير معروف:

    لافض فوك

  11. يقول عبدالرحمن بن ناصر:

    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
    بارك الله فيك يادكتور وبارك الله في قلمَك وزادك الله علم وبصر وبصيره . مقال مسدد يكتب بماء الذهب وهذا وامثاله من المقالات من المفروض ان يتصدر صحفنا واعلامنا .
    سددك الله ونفع الله بك وبعلمك

  12. يقول محمدسعيدالحربي:

    الحمد الذي اوجد في علماء بهذه الحكمة وهذا التفكيروالمنطق ا كثر الله من امثالك يادكتور ونفع بعلمك الاسلام والمسلمين

  13. يقول تركي الشهري:

    أفضل ما قرأته عن قصة خاشكجي
    لا فض فوك

  14. يقول غير معروف:

    جزاك الله خيرا يادكتور محمد وكلامك عين الحكمة والعدل وستظهر الحقائق قريبا ليهلك من هلك عن بينه ويحيى من حي عن بينه.
    محبك عيد الألمعي

  15. يقول خديم امباكي:

    نعم يجب التثبت من هذا الخبر وعدم الخوض فيه دون بينة

  16. يقول فارس:

    دكتورنا الفاضل كثره الله من امثالك كلام متزن مستمد من كتاب الله
    وهذا الخطاب المنصف في قضيه الخاشوقجي

  17. يقول محارب:

    لله درك لقد وضعت النقاط في مكانها الصحيح دمت بود

  18. يقول ابو عبدالله:

    هذا ما يقال عنه امانة الحرف وصدق الكلمه قراءه لحدث بكامل التفصيل وتفسير منطقي لاحداث والمستفيد من اثارة اختفاء جمال خافشجي
    لا فض فوك

  19. يقول ابوسالم:

    ياالسعيدي اسعدك الله

  20. يقول غير معروف:

    لله درك، يا ليت الناس يعملون بالتوجيهات الشرعية المستندة إلى نصوص الوحيين كقول الله تعالى :وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم. الآية.

  21. يقول غير معروف:

    كلام من ذهب

  22. يقول ناصرالغامدي:

    زادك الله رفعة وبارك فيك
    فالحكمة هو ترك الشيء لاهله والمختصين فيه
    …..
    كلام موزون وفيه رشد وحكم

  23. يقول محمد القاضي:

    نعم لا فُض فوك ( لم يكن هذا التصرف الجبان نهج لقادتنا حفظهم الله وحفظ وطننا من كل سوء

  24. يقول هشام عبدالله حابس:

    لك يابلادي وقيادة بلادي كل الحب والاحترام والولاء

  25. يقول فيصل الذوادي:

    الشكر للشيخ د.محمدالسعيدي فقد اوجز وبين الحقائق في قضية المواطن والصحفي جمال خاشقجي
    ولاعزاء للمتاجرين والحاقدين على بلادنا فقد كانت نقاط في غاية الاهمية
    حفظك الله ورعاك

  26. يقول غير معروف:

    👍

  27. يقول ابوصالح. الرس:

    كلام مسدد يحفل بالراي الحصيف والفكر النظيف من كاتب وعالم موسوعي

  28. يقول د . حمود الحارثي:

    أبدعت يا دكتور محمد كعادتك

  29. يقول د. حمود الحارثي:

    أبدعت يا دكتور محمد كعادتك

  30. يقول غير معروف:

    بارك الله فيك يادكتور افضل واحسن تحليل انت رجل رائع مبدع مطلع

  31. يقول محمد علي:

    مقال لمن أصغى السمع وله عقل منير السعودية لم تغتال مخاليفيها في الداخل فضلا عن أن تغتالهم فى الخارج لكن أقول القافلة تسير والكلاب تنبح

  32. يقول محايد:

    كلام مليئ بالإنصاف

    لاكسر لك قلم

  33. يقول محمد سعد:

    عندما يتحدث العقلاء عن أي قضية حساسة نجد هولاء الرجال الشرفاء
    الحمدلله انهم من بيننا

  34. يقول سارة عبدالله:

    السلام عليكم
    الله يلهمك قول الحق والحجة والبيان وتكون عوناً لبلدك وسيفاً قاطع على اعداء دولتك

  35. يقول سعودي يحب بلده:

    بارك الله فيك على هذا الموضوع والله يظهر الحق ويحفظ بلد الحرمين وحكامها من كل مكروه ويديم علينا الامن ان شاءالله

  36. يقول محمد بن حسين الحارثي:

    فضيلة الدكتورمحمد
    ويحق الله الحق بكلماته ولو كره …
    وفقتم وسُددتم وهديتم للتي هي أقوم
    زادكم الله عوناً وتوفيقاً وزاد بلاد الحرمين قادةً وشعباً عزاً وهدايةً ونصرا

  37. يقول الغازي:

    مقال حكيم ومتوازن واتفق معكم ان من قام بهذا العمل المشين من الاختطاف والقتل أراد ان يدق اسفينا في العلاقات بين أقوي الدول الاسلامية ويجب عدم الخوض في مثل هذه الامور الي ان تنجلي الحقيقة

  38. يقول عبدالله:

    كلام عاقل.ومتزن عن مشكلة مفتعلة نفخ فيها ابواق المتربصين بوطننا عليهم دائرة السوء وغضب الله عليهم ولعنهم وكفانا شرهم وشر من ورائهم وحفظ وطننا وولاة امرنا انه علي كل شيء قدير

  39. يقول فاطمه عبدالعزيز:

    ارى أن بلادي مستهدفه وهذا ربما من فعل أعداء المملكه و أعداء حكومتنا الرشيده ” والله أعلم نسأل الله اللطف ، وأحقاق الحق ودحر الباطل ، اللهم من أراد بنا شرآ رد كيده في نحره .

  40. يقول سعد:

    لا فض فوك
    بارك الله فيك شيخنا وكاتبنا🌹

  41. يقول نوره العطيشان:

    كلام في منتهى العقلانية والوضوح سلمت يمناك على هذا المقال الرائع نحتاج لكتاب بهذا الوعي والتحليل لكاتب متابع للأحداث ومنطقي في الطرح

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.