من الهامش إلى المركز السلفية في واقعها الجديد

تكبير الخط تصغير الخط

ما ينبغي أن يتعجب الجميع منه ،هو كيف أُوقِعت هذه المكيدة العظيمة بأهل السنة ثم هاهم ينجون منها بفضل الله تعالى ، بل أصبح أهل السنة ٍعلى الحقيقة أقوى من يوم بدء هذه المكيدة قبل ثمانية وأربعين عاما .

   وليس ينقص أهلَ السنة اليوم إلا أمرٌ واحد ، وهو أن يَعرفوا أنفسهم ، أو لنقل يعرف أكثرهم نفسه ، ذلك أن أكثر أهل السنة المنتشرين في أنحاء الأرض لا يعرفون أنفسهم ، أي لا يشعرون بحقيقة انتمائهم إلى أهل السنة والجماعة لظروف مختلفة ، فبعضهم نشأ في بيئة متصوفة ، فهو لازال يعتقد أنه صوفي ويتعصب للصوفية وللأشعرية أو الماتريدية ، وحين تسأله عن خرافات الصوفية لا تجده يعرف منها إلا القليل ، أو لا يعرف سوى الصور القليلة التي لا تُعَرِّفُ الصوفي على الحقيقة ، كالحلف بغير الله ، وكتبجيل بعض أصحاب المقامات ، وحين تسأله عن هؤلاء الذين يُبَجِّلهم تجد أنهم عنده بشر  موتى في حاجة إلى الدعاء لا يسمعون كلام الناس فضلاً عن كونهم يستجيبون لهم إذا دعوهم ، وهم في حاجة إلى الأَحْيَاءِ وليس الأحياءُ هم من يحتاجون إليهم ، كما أنهم لا يؤمنون بسلطة أحد عليهم كسلطة الشيخ الذي يعتبره المتصوفة متسلطاً عليهم كالميت بين يدي مغسله ، إلى غير تلك العقائد التي لا يعرفها الرجل أو المرأة لكنهم إذا سئلوا قالوا نحن على ما تركنا عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، حتى إن مشايخ الصوفية لم يعودوا يجرؤون على مخاطبتهم بتعاليمها لأنهم يعلمون أنها ستجعلهم محط سُخرية ؛ وقدفعلوا بأحد الصوفيين في وقتنا الحاضر من السخرية ما تضحك منه الثكلى ، حين جاهر بما يُسِرُّ به سواه وقال إنه مأذون له في التفسير من رسول الله صلى الله عليه وسلم مباشرة ، وأسس طريقة تخصه في التصوف سماها الطريقة اليُسرية .

المهم أن أكثر العامة من الصوفية هذه الأيام هم في حقيقتهم من أهل السنة وإن عَادَوا السنة جهلاً وانتصروا للصوفية تقليدا .

ولم يكن هذا الشعور شعورَ الناس قبل قيام الثورة الإيرانية عام ١٣٩٩هـ حيث كانوا بين منصرف عن الدين بالكلية لَمَّا وجد أهله منغمسين في الخرافة ، وهؤلاء في عموم البلاد الإسلامية هم الكثرة الكاثرة خلا السعودية ، وأقول ذلك عن واقع عايشته ،وإن كنتُ صغيراً إلا أنني أفقهه آن ذاك ؛ وبين سلفيين قليل كانوا في ذلك الزمن في غالبهم من ثمار جامعات السعودية ومعاهدها العلمية ومناشط وزارة الشؤون الإسلامية وإدارة البحوث ؛ ولم يكن هناك سلفيون في الغالب غير هؤلاء ، والبقية كانوا صوفية كلمة ومعنى .

ولم يكن في حساب أهل السنة أن يصبح وضعهم كما هو اليوم ؛ في كل بلد هم فيه الأكثرية والسادة ، وهم الذين تشغل بعض المؤسسات نفسها بمحاولة حربهم ، وذلك إما عن فهمٍ خاطىءٍ من قبلهم وإما عن كيدٍ عامدٍ ضدهم ؛ وكذلك عدد من  الدول الكبرى غير المسلمة التي نشطت في العمل كي تقلص من قدرهم .

نعم هم السادة الغالبة في كل البلاد الإسلامية ، وأعني السلفيين ولا أعني غيرهم ، سواء أسموا أنفسهم سلفيين أم سموا أنفسهم صوفيين ، ولا يَعْرِفُون عن كونهم سلفيين لأنهم لم ينتموا للسلفيين يوما ما ،وطيلةُ تاريخهم الماضي لا يعرفون عن آبائهم إلا الانتساب إلي الصوفية .

أما الانتساب إلى الأشاعرة والماتريدية فكان العلماء يفعلونه ، أما العامة فلا يعرفونه أصلاً ،ويبدو أن العلماء لا يلقنونهم أياه ، وذلك أن الصوفية في كثيرٍ من مناماتهم وأقوالهم يُشعِرُونك بالتجسيم ، وهو مناقض للأشعرية والماتريدية، ومناقض أيضا للصوفية لكن الصوفية لا تستنكف من التناقضات.

نعود إلى الحرب على السنة ، لنجد أنها كبرت بشكل عظيم ؛ وما ذلك إلا لعظمها اليوم ، واكتساحها البلاد ؛ وفي مثل هذا السياق أحب دائما أن أذكر قول أحد قادة مراكز البحث العالمية ، ويفوتني اليوم اسمه ؛ قال : كنا نتعجب من أن المسلمين الجدد يكونون سلفيين حتى ولو كان إسلامهم على يد الشيعة أو الصوفية ، ولم نجد لذلك سببا سوى منهجهم في الإلهيات .

وأقول : نعم إن منهج السلفيين اليسير في المباحث المتعلقة بذات الله منهج دقيق ويسير ومقنع ؛ وألف مايكل محمد كينت كتابه : لماذا أنا سلفي على أساس هذه الفكرة ، وهو أمريكي اعتنق الإسلام سنة ١٤١٣هـ ولعليّ لا أتفق معه في بعض ما ذهب إليه ، إلا أنه أستاذ جامعة سلفي.

والحرب على أهل السنة السلفية تطورت حين رأت الولايات المتحدة أنها خطر عليها ، ولا أعلم كيف رأت ذلك مع أن السعودية وهي الدولة الداعمة لها كانت وما زالت تتعامل مع الولايات المتحدة كدولة صديقة ولها عشرات المبتعثون هناك ، لكن هذا ما حصل فدعمت إيران بشكل كبير ؛ كما أن إيران دعمت أمريكا أيضا بشكل كبير ، لكن ذلك الدعم المتبادل لم يجد شيئا ، وتحول اليوم إلى حرب ليس ههنا الحديث عنها ؛ لكنني أتحدث عن السلفية التي لا تزال الحرب مشنونة عليها بالشكل الأول نفسه الذي بدأت به إيران ، ويتمثل في دعم الجماعات الخارجة وتسليط الكتاب من كل البلدان على السلفية ، لتصبح بدلاً عن الضعف المراد لها القوة الأكبر في التيارات الإسلامية ، وتكون هي التيار الجارف الذي قرأت لأحد من يحمل لواء مواجهة السلفية في مصر إقراراً بخطورة مواجهته ، ولا أعلم ماذا يعني بخطورة المواجهة ، لكنها عندي تعني قوة السلفيين في حجتهم من الكتاب والسنة ، كما تعني قدرتهم العقلية التي ليست عند أحد من أتباع الفرق الأخرى .

ونحن نرجوا من الله تعالي أن يديم نصر السلفية ، لأن المجتمع المسلم بغيرها لن يصل ألى ما يأمله من الرخاء والسعادة ، وهاهم من القرون الماضيات يحاولون ذلك بشتي الوسائل فلم يتمكنوا ، وحاوله السعوديون بالقرب من السلفية فتحقق لهم في بضع عشرة سنة في أيام الإمام محمد بن سعود ، وبعدها مرة أخرى في أيام الإمام تركي بن عبد الله وبعدها في أيام الإمام والملك عبد العزيز بن عبد الرحمن .

ولم يكن انقطاع الحكم في العهدين ما بين الدولة السعودية الأولى والثانية وبين الدولة الثانية والثالثة إلا فترة وجيزة لا تسمي بمقاييس الدول انقطاعاً ، إلا أنها كانت في الحقيقة نصراً من زاوية أخري كان سبباً في نجاح الدولة في النهوض مرتين أخريين .

وانتصار السلفية اليوم رغم ما يحيط بها من كل اتجاه ، ما هو إلا دلالة واضحة على قوتها الذاتية التي تنصح الناس بامتثالها إذا كانوا يريدون لأنفسهم العز والرخاء ، فأنت ترى الجهد الإيراني والجهد الصوفي والجهد الأشعري والماتريدي رغم  تحالفهم على السلفية سراً وإن كانوا متناقضين في مذاهبهم إلا أننا نرى السلفية تبرز واضحة كلما ضُيِّق عليها الخناق .

التعليقات

4 ردود على “من الهامش إلى المركز السلفية في واقعها الجديد”

  1. يقول غير معروف:

    جزاك الله خيرا وزادك علما وحكمة
    لك دورك من قديم في إظهار السلفية الصحيحة وتقزيم ما سواه، فبارك الله في جهودك وجهادك

  2. يقول عبد العزيز عبد الفتاح:

    بارك الله فيكم فضيلة الدكتور وجزاك عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء

  3. يقول سعد الحمقي:

    جزاك الله خير..
    ملاحظه :اخر كلمه في المقال لم تكتمل طباعتها.. اسباب البقاء والانت… صار

  4. يقول عمر الحربي:

    موفق ايها المبارك ، ولكم في هذا الباب باب جزاكم الله خيرا ، والمس ماتقولون واشاهده …

    نافذة لغة التواصل الحديثه ينتشر معها حديث الفطرة ،
    ولا بد من القلوب التي فطرت
    على الفطرة ان يكون لها نصيب من حديث الفطرة .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.