في حوار الحضارات

تكبير الخط تصغير الخط

بقلم : محمد بن إبراهيم السعيدي :

كنت أحد المدعويين لحضور مؤتمر حوار الحضارات المنعقد ضمن مبادرة خادم الحرمين الشريفين لحوار الحضارات وكان مكانه هذه المرة في جنيف يومي العاشر والحادي عشر من شوال , وكنت قبل حضوري هذا المؤتمر أدرك جيدا البعد الإعلامي المقصود بهذه المبادرة , وأعلم أنها سوف تؤتي ثمارها من حيث تحسين صورة المملكة والإسلام بعد أن علقت تهمة العنف بهما في أذهان غالبية الشعوب الشرقية والغربية .

لكن الجديد الذي علمته بعد أن خالطت المشاركين من المسلمين في أوربا وأمريكا أن هذه المبادرة قد أثرت إيجابا على طريقة التعامل الرسمية والشعبية معهم في البلاد التي يعيشون أقلية فيها , ومع ذلك هم يتعجبون من ضعف التغطية الغربية لوقائع هذا المؤتمر وبعضهم يخشى أن يكون هذا التقليص في التغطية مقصودا حماية للصورة النمطية للمسلمين في الذهنية الغربية .

وقد عبر عدد من المشاركين والمدعوين عن تعجبهم من شبه الغياب الكامل للتغطية الأوربية للمؤتمر , حتى إن الدكتور صالح العايد قال أثناء إدارته لإحدى الجلسات : أخشى أنه لو كان ما يجري في هذه القاعة خصومة أحد أطرافها المسلمون لكانت التغطية أفضل من هذا بكثير .

لم يتحدث أحد في المؤتمر عن حق المسلمين في الدعوة إلى دينهم لكن واقع المؤتمر أنه خطوة مثالية للدعوة إلى الإسلام وذلك من جهة أن المشاركين كانوا من النخب البارزة في مجتمعاتهم وأن ما قدموه من الثناء التفصيلي على تعاليم الإسلام سيكون له أثره البالغ في التعريف بهذا الدين الذي يثني عليه أمثال هؤلاء .

فيما يتعلق بي فقد كان لي مداخلتان إحداهما على الجلسة الثانية والأخرى على الجلسة الخامسة من جلسات المؤتمر .
أما المداخلة الأولى فقد بعثني إليها أنني وجدت جميع المشاركين يصفون دياناتهم بأنها ديانات سلم ومودة ومحبة وينقلون من كتبهم المقدسة عندهم ما يؤكد على ذلك فقلت في مداخلتي ما نصه :

الجميع يؤكدون أن دياناتهم ديانات محبة وسلام والمسلمون كذلك يفعلون , لكن الفارق الكبير بين المسلمين وغيرهم أن المسلمين قاموا بخطوات إيجابية كبيرة تمثلت في نقدهم للأصول الفكرية للتطرف في تراثهم الفلسفي وألفوا الكتب وتكفلوا بالمؤتمرات من أجل ذلك والتي منها هذا المؤتمر .
أما غيرهم فلم يفعلوا شيئا وكأن تراثهم بريء من التطرف براءة الذئب من دم يوسف .

إن هناك جذورا فكرية في مختلف الديانات للتطرف والعنف يجب أن يصنع معها الآخرون مثل ما صنع المسلمون وإلا سيكون كلامهم في هذا الصدد كلاما استهلاكيا مجردا
يجب على اليهود مثلا أن يقدموا لنا تفسيرا جديدا لسفر يوشع بن نون غير التفسير الذي يقدمه التلمود .

كما يجب على النصارى أن يعيدوا قراءة نظرية القديس أوغسطين عن الحرب العادلة والتي هي الأساس الفلسفي لنظرية صدام الحضارات التي قال بها صمويل همنجتون .

إن نظرية صدام الحضارات لم تولد فجأة بل كان لها جذور فكرية أسست لها كما أسست هذه الجذور للعنف المسيحي الذي اكتسح العالم بأسره ودون أية مراجعة لهذا التراث لن تكون لنا فرصة لتصديق دعاوى السلام في الديانات الأخرى .
أما مداخلتي الأخرى فقد كان الباعث عليها تأكيد البعض على علمانية الدول الأوربية فقلت ما نصه :

ليت الدول الغربية كانت علمانية حقا
لأن علمانيتها مقتصرة على نظامها الداخل وحسب , أما في سياساتها الخارجية فالبعد الديني حاضر دائما يؤكد عليه الصليب الذي لا يكاد يخلوا منه علم دولة أوربية ومنها هذه الدولة التي نقيم المؤتمر فيها .

ولست أعيب على هذه الدول بعدها الديني , لكن المعيب هو اتخاذها البعد المتطرف البعيد عن حقيقة دينها , فبالنظر إلى أمريكا يمكنكم قراءة كتاب : البعد الديني في السياسة الأمريكية والذي قدم له دولة الرئيس معروف الدواليبي رحمه الله تعالى , ونقل هناك عددا من الكلمات للرؤساء الأمريكان تؤكد على هذا البعد الديني المتطرف منها قول رونالد ريجان إن (هرمجيدون) قادمة لا محالة , وهرمجيدون اسم لمعركة تقول الكتب المقدسة إن الكنعانيين سيبادون فيها .

ودعوت في ختام هذه المبادرة أن توجه دعوة إلى الدول التي تعتمد البعد الديني في علاقتها مع الآخرين كي تجعل بعدها الديني منطلقا من أصول دينها لا من التحريفات التي طرأت عليه

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.